مذكرات خالد سليمان العدساني
(رحمه الله)
سكرتير
مجلس الأمة التشريعي الأول والثاني
المقدمة
بعض ما في هذا الكتاب وريقات ووثائق سطرتها وأنا وسط الأحداث العاصفة التي هبت على الكويت أثناء التأزم في المراحـــل الأخيرة من أيام (مجلس الأمة التشريعي) في عام 1939.
فلما حل مجلس الأمة التشريعي الثاني أو قبل ذلك أدركت أن الواقعة ستقع وأن السلطة ستطاردني للقبض علي وربما فتشت بيتي فتعثر على هذه الوريقات وتصادرها. تقبض علي ليس بصفتي فقط سكرتيرا لمجلس الأمة التشريعي الأول فالثاني بل ولانها تعلم اني انا الوحيد الذي رتب وأنشأ ودون كل أثر من آثار المجلسيين، لهذا عنيت بدفن هذه الأوراق في التراب عند عتبة غرفة نومي في بيت الوالد الكائن في شارع (فهد) الصالحية سابقا، وبعد أن وضعتها في علبة من التنك. وصدق ظني فلقد داهمت السلطة البيت للقبض علي فلما لم تجدني فتشت كل من فيه لكنها لم تعثر على الضالة. وبعد سنوات عدت الى الكويت من العراق مع الأخوان الحاج محمد الثنيان الغانم والسيد محمد أحمد الغانم والسيد عبدالوهاب عيسى القطامي عام 1363هـ 1944م بطلب من المرحوم أمير البلاد آنذاك الشيخ أحمد الجابر المبارك الصباح الذي أرسل لنا وفدا من شخصيات الكويت بعد ان اطلق سراح المعتقلين السياسيين الخمسة ليعبر لنا عن كامل رضاه وتناسي احداث الماضي وآثاره. وحينما وصلت الكويت بعثت تلك الأوراق المدفونة من مرقدها ثم جعلت تنتقل معي وتطاردني سنوات من بلد الى آخر في أمل ترتيبها أو تهيئتها في كتاب متى سنحت لي الفرصة.
غير ان ما فيها من مواقف صعبة لبعض الشخصيات وغالبهم اصبح عزيز على الآن جعلني اتردد في نشرها، فضلا عن ان اعادة ترتيبها أو تهذيب بعض ما فيها ثانية قد يفسد من طبيعتها الواقعية ويسئ الى امانة التاريخ التي هي في نظري اقدس من سواها.
فأكتفيت وانا في لبنان بإصدار رسالة صغيرة سميتها (نصف عام للحكم النيابي في الكويت) ضمنتها فقط الوقائع والوثائق والانجازات التي حدثت ابان مجلس الأمة التشريعي الأول، ومع ان تلك الرسالة الصغيرة اقتصرت فقط على ذكر الوقائع المجردة متحاشية الاثارة ومتجنبة التعريض باحد الا ان مديرية الامن العام حينذاك صادرتها وطاردت من وزعوها وغضب علي من جديد فتحاشيت العودة للكويت بضع سنوات اخرى حتى خفت حدة الغضب وهدأت النفوس الثائرة، واذا بالرئيس المسؤول عن ادارة الامن العام الشيخ عبدالله المبارك الصباح الذي أمر بمصادرة الرسالة يعود فيرجوني بنفسه للرجوع للكويت وهكذا عدت ثانية للكويت الوطن العزيز عام 1950هـ.
لكن العبرة لم تغب عن بالي، فرسالة صغيرة مقتصرة على سرد الوقائع المجردة ومحررة بأسلوب مهذب بعيد عن الاثارة والتحريض احدثت كل ذلك الغضب فما بالك اذا اردت ان اصدر كتابا كاملا اتولى فيه سرد الاحداث والوقائع التاريخية بالتفصيل والتحليل ؟!!.
ولست هذه المرة متهيبا من السلطة فان السلطة أو الحكومة أية حكومة قائمة أو التي ستقوم في الكويت حين صدور هذا الكتاب لها من التجارب وسعة الافق ما يهون عليها الأمر في احتمال القليل من اجل كتابة التاريخ بصورة صحيحة ليس فيها وهم ولا تحريف.
وإنما الذي اتهيب منه واتقيه هو وقع نشر مثل هذه المواقف التاريخية على بعض الشخصيات الكبيرة والعزيزة مما وردت اسماؤها ضمن ذلك وفيهم كثير من العزيزين الغالين علي وفيهم من عدل مواقفه الضعيفة من القضايا الوطنية فوفى الدين وأداه.
هل أخسر صداقة هؤلاء الأعزاء جميعا؟ هل سيسامحني بعضهم؟ هل أهذب من هذه الأوراق الصفراء التي تطاردني منذ سنين؟ فأقضي على ما فيها بالحذف والتغيير والتهذيب؟ لست ادري.. ولكني اقول اني عملت كل جهدي وان امانة التاريخ المقدسة تلزم علي ان احتفظ ولو بالرؤى والاطياف من الصحائف الماضية انشرها كما حررتها بتواريخها قبل اكثر من عشرين عاما لتكون مدخلا لمن يهمه دراسة مراحل الحركات الوطنية في الكويت. كيف بدأت وكيف تدرجت حتى انتهت الى ما نحن عليه. فعذرا خالصا اولا للأصدقاء الكبار الذين أعزهم وثانيا للذين قد يرون في ايراد مثل هذه الصفحات أو بعضها سردا تفصيليا لإمور صغيرة كأنتخابات مجلس للبلدية أو مجلس للمعارف، لكني أقول وسيقرني الكثيرون أن عنيت من هذا السرد شرح الأحوال والأفكار التي كنا نعيشها في الكويت حينذاك، فهي أثر صحيح لبدأ الحركات الوطنية كيف نشأت وكيف تطورت وتلك هي الغاية الأولى من نشر هذا الكتاب والله الموفق.
خالد سليمان العدساني
سكرتير مجلس الأمة التشريعي الأول فالثاني
الحركات الفكرية في الكويت
لم تنشأ أو لم تعرف في الكويت أية حركة فكرية أو اصلاحية أبان الحكم الأول ولا حتى في اوائل عهد المرحوم الشيخ مبارك الصباح (مبارك بن صباح الثاني الحاكم السابع للكويت).
إذ لم يكن في الكويت من البواعث والمهيئات للحركات الاصلاحية والفكرية شئ مما كان في اغلب البلاد الاخرى. فقد كان الكويتيون يقنعون بداية استيطانهم للكويت بالتافه واليسير من العيش، وكان الحكم في بداية استقرارهم يكاد يكون شوريا مجردا من إمارات السيطرة والتحكم. كذلك لم يلج الاجانب إذ ذاك بلادهم لينافسوهم في اسباب الرزق فيتولد بالاحتكاك معهم روح من النشاط والمعرفة والتنافس. كما ان الحركات الفكرية والوطنية في العالم العربي جميعه كانت خاملة متقطعة. لهذا تفشت الأمية، وانتشرت الخرافات التي ادت في الجزيرة العربية أبان الحكم العثماني الطويل الثقيل. حتى اذا تفجرت مع بداية القرن العشرين النهضة المصرية التي حرك اوارها مصلحا الشرق العظيمان جمال الدين الافغاني والشيخ محمد عبده، تفتحت في انحاء الشرق العربي عيون الجامدين وبدأوا يتلمسون اسرار الحياة وفهم حقائقها عن طريق الصحافة المصرية المجيدة التي كانت تجوب انحاء الكون العربي ناشرة معها بذور النهضة وشعاع اليقظة الأولى. ثم كان للعلماء والمصلحين الذين زاروا الكويت في مستهل القرن العشرين امثال المرحوم الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة المنار وتلميذ الشيخ محمد عبده فالمرحوم الشيخ محمد الشنقيطي الذي انتقل الى الزبير فيما بعد وأسس مدرسة "النجاة" فيها والشيخ حافظ وهبه المصري الذي قدم الى الكويت في بداية الحرب العالمية الثانية واستقر فيها ثم انتقل منها الى جلالة الملك المرحوم عبدالعزيز السعود فعين اخيرا لمدة طويلة سفيرا للمملكة العربية السعودية في لندن - كان لهؤلاء العلماء والمصلحين أثر محسوس في تحريك الشعور وتهيئة الاذهان، الأمر الذي هيأ للعاملين من الكويتيين ومن اولهم المرحوم الشيخ ناصر مبارك الصباح، والشيخ يوسف بن عيسي القناعي والسيد ياسين طباطبائي، الاستفادة من هذا الروح الطيب لاستنهاض همم الرجال لفتح اول معهد تدريسي في الكويت (المدرسة المباركية عام1330هـ)، لتدريس التلامذة اصول القراءة والكتابة ومبادئ علوم الحساب والهندسة والتاريخ والجغرافيا، على نمط غير معروف في الكتاتيب الكويتية الموجودة في ذلك الحين. وقد تولى إدارة المدرسة في ذلك الحين الشيخ يوسف بن عيسى القناعي مصلح الكويت الأول، حتى غضب عليه المرحوم الشيخ مبارك الصباح فتنحى عن إدارتها.
وتلى افتتاح المدرسة المباركية قيام الجمعية الخيرية عام 1331هـ بمسعى الشاب المرحوم فرحان الفهد الخالد للغايات الاصلاحية والخيرية التي تتطلبها حاجة الكويت، فكان من اساتذتها الشيخ محمد الشنقيطي والطيب التركي أسعد أفندي. وقد عملت هذه المؤسسة على تنوير الطلاب الكويتيين ورفع الغشاوة عن اعين الجاهلين والخاملين. الا ان المرحوم الشيخ مبارك توحش من عواقبها فسارع الى ابعاد الطيب التركي. ثم غادر المرحوم الشنقيطي الكويت الى الزبير متخفيا وخائفا من سطوة حاكم الكويت. فأقفلت الجمعية الخيرية أبوابها وخرس صوتها الى الأبد.
وبعد وفاة المرحوم الشيخ مبارك الصباح انتقل الحكم في الكويت الى ولديه جابر فسالم. ثم جاء الحاكم العاشر المرحوم أحمد بن جابر الصباح (عام 1339هـ) الذي كان للكويت في ولاية حكمه المديد (قرابة 29 عاما) آثارا بعيدة في التدرج والتقدم والازدهار. وقد عرف المرحوم أحمد الجابر برحابة الصدر وسعة الحلم والنفس الطويل العريض والصبر على المكاره والشدائد التي كانت تتلاشى بفعل الزمن وإنتهاج سياسة الحكمة والتعقل والروي. ولا أذكر ان الكويت أبان حكمه من كان يخشى الظلم أو يتهيب السطوة، الا انه رحمه الله كان مستسلما لما تقوله حاشيته لا سيما وزيره الأول الملا صالح الملا وغيرهم ممن لهم باع طويل في الاستغلال. وقد ازدهرت الحركات الفكرية وانطلق عقال الاصلاح والوطنية في عهده، فتم في عام 1340هـ افتتاح المدرسة الأحمدية ذات المناهج الحديثة والاساليب المستجدة في المحاورات الادبية والاحتفالات الكبيرة ذات المناظرات الشعرية وغيرها مما حبب الى الكويتيين ارسال بنيهم اليها ليتزودوا ويغترفوا من اساليبها وابتكاراتها. وكان اول من اشار بافتتاحها الشيخ يوسف بن عيسى ايضا ليعالج ما اصاب المدرسة المباركية من عقم وتخلف بسبب الادارة وتخلف القائمين على ادارتها عن مسايرة النهضات واساليب التدريس الحديثة. وكان من اكبر اساتذتها الشيخ المرحوم عبدالعزيز الرشيد مؤلف تاريخ الكويت والمرحوم عبدالملك الصالح والشيخ حافظ وهبه والشيخ محمد الخراشي وكلهم له باعه الطويل في الاصلاح والتحرر من الرجعية والجمود.
كذلك تم في عام 1341هـ افتتاح المكتبة الاهلية في جانب بيت العامر القديم حاوية أنفس الكتب والمجلدات والصحف العربية يؤمها الكويتيون من طالبي المعرفة من كل جنس، وكان يشرف على هذه المكتبة مجلس ادارة مؤلف من الشيخ يوسف بن عيسى والشيخ حافظ وهبه وسليمان العدساني ومشعان الخضير وعبدالحميد الصانع وعبدالرحمن البحر والسيد علي السيد سليمان والسيد رجب السيد عبدالله الرفاعي الذي كان يتولى الاشراف على ادارتها.
وفي عام 1342 تمخضت هذه الموجات الفكرية والمعاهد التدريسية على حركات أدبية ناشطة منها افتتاح النادي الادبي الذي كان لي شرف الفكرة الأولىفي المساعدة على قيامه. وكان هذا النادي يضم في عداد اعضائه ما لا يقل عن مائة شاب ناشئ وغير ناشئ من الكويتيين الذين تفتحت عقولهم وقلوبهم على الحياة الحرة السليمة، والقيت فيه محاضرات ادبية وتاريخية شتى مما كان دويها البعيد لا في ارجاء الكويت وحدها بل وفيما جاورها من امارات الساحل العربي. وقد تميز هذا النادي بتسهيل إلتقاء الشباب الناشئ بمن هم اقدم منا سنا وتجربة من رجالات الكويت المعروفين فتلاقت الافكار وانصهرت الآراء الوطنية. واسندت رئاسة الشرف فيه الى احد شباب العائلة الحاكمة الشيخ عبدالله الجابر الصباح لما عُرف عنه من ميل الى الادب والمتأدبين.
تلك هي النواة الأولى لليقظة الفكرية والوطنية في الكويت نشأت كما تنشأ أية حركة فكرية داخل المدارس والمعاهد الادبية بادئ ذي بدأ حتى اذا انتشرت وتعممت ثم نضجت تفتحت اعين الجماهير على حقائق الحياة الحرة ومطالبها فبدأت تتطلع الى الاصلاح وتنشد العدالة الاجتماعية درجة بعد اخرى حتى يسمو بهم الطموح الى الغاية القصوى. سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
مجلس الشورى الأول
لم يسبق للكويتيين مفاتحة حكامهم أو مطالبتهم بحقوقهم المشروعة، ذلك ان الكويتيين كانوا الى ما قبل حكم المرحوم الشيخ مبارك الصباح ينعمون بحرية واسعة لا تحدها سلطة الحكام الذين كانوا رؤساء عاديين ارتضاهم القوم لرعاية شئونهم وحل مشاكلهم بالتي هي احسن.
ولكن بعد تولي الشيخ مبارك الصباح منصة الحكم في الكويت بالصورة الجبرية بعد قتله اخويه المرحومين محمد وجراح كما هو معروف التجأ مضطرا الى تدعيم سلطانه بالقوة واخذ الامور بالعزم والحزم اللذين كانا عنوانا لحكمه الطويل المديد.
وكانت الكويت طوال حكم مبارك تزهو عجبا وخيلاء بفضل تجارتها الرائجة المحملة على اسطولها التجاري الشراعي الكثير العدد الذي كان يجوب آفاق الهند وبعض سواحل افريقيا الشرقية، بالاضافة الى مرور كثير من البواخر التجارية الاخرى القادمة اليها من الشرق والغرب، ثم ما ينقل منها من ذلك الى نجد بالقوافل (السابلة) الكثيرة العدد المتصلة الرحلات طوال ايام السنة.
وكان لنفوذ الشيخ مبارك وصولته وقوة شكيمته اثرا كبيرا في امتداد هيبته واحترام الحكومات المجاورة وغير المجاورة لحقوق رعيته وحفظ مصالحا أنى سرت وتباعدت بها السبل. فشاع اليسر والرخاء في عهده وكان ذلك تعويضا للكويتيين عما كان بعضهم منه من قسوات أو نزوات مرعبة.
لهذا لم يكن ثم ما يحفز الكويتيين على الاقدام بأية مطالب أو حقوق إصلاحية أيا كان نوعها. وقد سرى هذا الحذر والتخاذل ايام ولديه المرحومين جابر وسالم، ولكن عندما توفى سالم المذكور بعد وقعة الجهراء عام 1338هـ وكان ولي عهده المنتظر الشيخ أحمد بن جابر الصباح بصفته الاكبر من ذرية مبارك الصباح التي تعارف الكويتيون على حصر الحكم فيها وبموجب اتفاقية عقدت مع الحكومة البريطانية كان الشيخ أحمد الجابر المبارك الصباح موجودا في الرياض على رأس وفد كويتي لمفاوضة سلطان نجد عبدالعزيز السعود لإزالة الخلاف بين العاهلين المتجاورين فسنحت الفرصة للكويتيين للتداول في امورهم ونشأت في هذه الفترة القصيرة أول حركة نشيطة من وجوه الكويت واعيانها، فاجمعوا أمرهم على مطالبة أحمد بتشكيل (مجلس شورى) منهم فبعثوا اليه وفدا من كبار رجالاتهم لمقابلته في اليخت التجاري العائد من سواحل الجزيرة والراسي في الكويت قبل نزوله الى البر، ليعرضوا عليه مطالبهم. وقد اسرع اليه قبلهم رجال الحاشية يكشفون له ما أجمع عليه الكويتيون، وينصحونه بالموافقة على تلبية مطالبهم كيلا يبايعوا إبن عمه الشيخ عبدالله بن سالم الصباح الحاكم مؤقتا بالوكالة والذي يلي أحمدا في العمر من ذرية مبارك الصباح، وقالوا له فيما قالوا لا يهمك أمر الكويتيين فلسوف تدب الخلافات ويتنازعون أمرهم ويصفى لك بعد ذلك كل شئ. ولقد صدق حدسهم فإن هذا المجلس والذي لا نعلم كيف ننعته والذي تألف ارتجالا من شخصيات غير متجانسة وليس له قانون معروف لم يؤد اية خدمة للكويت، فقد عجز اعضاؤه عن توحيد نظرياتهم ورسم برامجهم فتشاحنوا واختلفوا بفعل تباين مصالحهم وفعل الدساسين من الحاشية والأذناب الذين ألفوا ان يتحكموا في رقاب الناس وابتزاز اموالهم دون رقيب او عتيد. وهكذا اصبح أمر مجلس الشورى منتهيا، فاستمر عهد الكيفية والعشائرية في الكويت على عهده الأول، لعجز المتزعمين وعدم اخلاص بعضهم في خدمة الكويت الخدمة الخالصة المجردة. وقد سبب هذا الفشل وفقدان الثقة بين الكويتيين وكبار رجالاتهم التهاون في المطالبة بالاصلاح سنوات عديدة كان الناس فيها يضجون من تحكم الحاشية والأذناب في شئونهم والعبث بمقدرات الكويت حتى وصل بهم الأمر الى العبث بالاحكام الشرعية والعرفية وغير ذلك من الشئون التي لم يكن الحاكم على علم منها.
مجلس البلدية ومجلس المعارف
مجلس البلدية الأول والثاني والثالث والرابع
قيام مجلس المعارف الأول فمجلس المعارف الثاني
قبيل عام 1930 توحدت بعض المساعي المخلصة من العناصر الجديدة النشيطة في الكويت ففاوضت حاكمها المرحوم الشيخ أحمد جابر الصباح عن حاجة الكويت الى قيام مجلس بلدي منتخب من الاهالي للاشراف على تنظيف الكويت وتجميلها على غرار المجالس البلدية فارضين ضريبة تجبى من اموالهم الواردة من طريق البحر بمقدار نصف في المائة من اصل ثمن كل بضاعة قادمة للكويت بالاضافة الى الرسم الجمركي المعتاد والبالغ مقداره اربعة في المائة الذي كان يجبى لمصلحة الحكومة والذي لم يكن يصرف منه أي شئ للخدمات العامة. وبهذه التضحية سهلوا على حاكمهم قبول الطلب المتواضع رغم ما حاولت الحاشية لدى الحاكم من جهود من لتثنيه عن قبول الطلب خوفا منها ان يكون للكويتيين باسم هذه الضريبة اشرافا على الواردات الجمركية الاخرى التي كانوا يتقاسمونها دون معرفة الحاكم. فلما أعياهم الأمر نصحوا الحاكم ان لا يوافق على تعيين المجلس موظفا خاصا لجباية ضريبة البلدية في ادارة الجمارك وانما يكتفي بأحد موظفي الجمارك القدامى لجباية ضريبة البلدية ضمن ضريبة الجمارك الأصلية وترسل الى المجلس كل نهاية شهر، وهكذا كان.
وقد اقتنع الكويتيون بهذه الموافقة من الأمير واعتبروها فوزا لهم فأجتمع خمسون من سراتهم لانتخاب اثني عشر عضوا لمجلس البلدية الأول، ففاز كل من يوسف بن عيسى، مشعان الخضير، سليمان العدساني، سيد علي السيد سليمان، محمد أحمد الغانم، نصف بن يوسف، السيد زيد سيد محمد، حمد الداود المرزوق، مرزوق الداود البدر، مشاري الحسن البدر، أحمد معرفي، يوسف الحميضي لعضوية المجلس البلدي الأول في الكويت، ثم انتخب هؤلاء سليمان العدساني من بينهم ليكون مديرا للبلدية. وقد اسندت رئاسة الشرف للمجلس البلدي الى الشيخ عبدالله الجابر الصباح بصفته عضوا بارزا في العائلة الحاكمة ليكون لمقررات البلدية واحكامها حرمتها المصونة عند العموم .
وفي المجلس البلدي الأول بدأ الاحتكاك الأول بين بعض رجال القصر من الحاشية والمرتزقة وبين أعيان الكويتيين من أعضاء المجلس البلدي يتجلى تدريجيا. إذ لم يألف الحاكم قبل تشكيل المجلس البلدي أي أمر او حركة تصدر بدون استشارته او نزولا عند حكمه سلفا. ولكن أعضاء المجلس البلدي كانوا من الحكمة والاخلاص بحيث استطاعوا تجنب إغضاب الأمير مع عدم التفريط بالحقوق التي اؤتمنوا عليها. فجعلوا يتعاونون على إقناع الأمير وترغيبه باعمال الاصلاح التي يستنها المجلس وأخذه بالحسنى كما أظهر الأمير بداية تأسيس البلدية رحابة صدر واسعة وتسامح محمود فسار العمل بالاصلاح البلدي شوطا حسنا رغم كثرة المشاكل التي كان مقدرا لها ان تنشأ بطبيعة الاحوال في كل عمل إصلاحي لم يألفه الناس ولم يروضوا أنفسهم على الرضوخ لاحكامه.
ولقد كان المجلس البلدي محكا صحيحا لاختبار رجالات الكويت من اعضائه ومدى نزاهة أو شجاعة كل منهم تجاه الخدمة العامة وتجردهم من الاغراض والاهواء الذاتية، كما تم بهذا المجلس ايضا خلق النواة الأولى للحركات الوطنية من التالية من بين من ائتلفت نفوسهم وتوحدت اهدافهم حيث تعارفوا بعد طول تجربة وكثرة اختبار، إذ كان المجلس البلدي لكثرة الشئون المناطة به بمثابة برلمان صغير يتجلى فيه العمل المثمر، كما استبان للناس من خلال المواقف المتعددة نفسية كل عضو منهم ومدى حرصه على المصلحة العامة المجردة.
وقد انتهت الدورة الأولى للمجلس البلدي ومدتها سنتان وحان موعد الانتخابات للدورة الثانية، فدُعي مائتا ناخب كويتي من المعروفين لانتخاب أعضاء المجلس البلدي الثاني حيث فاز كل من: السيد علي السيد سليمان، مشاري الروضان، مشعان الخضير، خليفة الشاهين الغانم، يوسف الصالح الحميضي، السيد زيد سيد محمد، يوسف بن عيسى القناعي، مشاري حسن البدر، حمد الداود المرزوق. وفاز بكرسي ادارة البلدية بالانتخابات للمرة الثانية المدير الأول سليمان العدساني بكافة الاصوات باستثناء صوت العضو نصف اليوسف النصف الذي كان يهيئ نفسه لمديرية البلدية.
وقد تميز هذا المجلس عن المجلس الأول بظواهر كثيرة اولها ان التفاهم كان تاما هذه المرة بين من يعنون بالخدمة العامة بدون ان يتأثروا بضغوط رجال القصر من الحاشية والمتنفذين وهؤلاء هم الاغلبية الساحقة في المجلس، كما ان الاحتكاك الخفيف الأول بين السلطة والمجلس البلدي بدأ بفضل دسائس المتنفذين من رجالات القصر يتحول الى توتر مستمر تغذيه دسائس المرتزقة والافتراءات والوقيعة يقابله من الجانب الآخر الشجاعة والايمان والمثابرة. وقد كُتب للجانب الوطني ان يفوز مرارا عديدة وان يتخطى دسائس الدساسين ومكر العابثين.
وقد كان هذا الصراع يجري في داخل المجلس في صورة مجادلات عادية واختلاف في وجهات النظر، الا انه في حقيقة الأمر صراع حول المبادئ والوسائل الشريفة، اذ كان في المجلس من يتزلف الى الحاشية ان لم نقل ويتآمر معها لعرقلة سير الاصلاح وسد الطريق على العاملين المخلصين. وقد ترك هذا النزاع المستمر اثرا محسوسا في نفس الأمير الذي كان رغم سريرته الطيبة وحبه للخير مستسلما ومصغيا لاقاويل المتنفذين من رجال قصره وأنفذهم المرحوم ملا صالح الملا رئيس كتابه الأول والمهيمن الوحيد على كافة شئون الكويت ودوائرها رغم ما عرف عنه لقد كان اساليب المرحوم ملا صالح الملا انه كان يلفق بعض الكتابات ضد بعض الموظفين بتوقيعات مختلفة تستدعي النصح للأمير ويضمنها آخر هفوات أو سقطات أو تلاعبات ذلك ثم يستدعى ذلك الموظف ويعرض عليه ذلك الكتاب مدعيا انه ورد اليه ببريد الأمير فحجزه لديه كيلا يطلع الأمير على ما فيه وبهذه الكيفية يستدر من الموظف الخائف ما يشاء ويتحصل منه على شكره في نفس الوقت.
وشيئا فشيئا تولد في نفس الأمير الحذر فالنفور فالكراهية من رجالات البلد والعاملين المخلصين من اجلها، وذلك كله بسبب ما كان يولده المنتفعون الذين يريدون لقافلة الاصلاح وركبه ان يتعثر. وقد عرف الكويتيون كل ذلك بالتدريج وميزوا بين مواقف الرجال من أعضاء الجلس البلدي واعمالهم، فمنهم وهم الاكثرية التي كانت متفاهمة تماما في وجوب التقدم بالاصلاح والمطالبة به على الوجه الصحيح السليم دون مبالاة ولا مسايرة للملا صالح ورغباته ومنهم من كان يتزلف اليه أو حتى يبيت معه بعض المناورات لافساد الجو وتعكيره على العاملين المخلصين.
واليك صـــورة سريعــة مقتضبة عن هوية كل من أعضاء المجلس البلدي كما رأيتـها ولمستها، ولست ازعم لنفسي فيما ارى العصمة من الخطأ.
الشيخ يوسف بن عيسى مشعان الخضير، سليمان العدساني، السيد علي السيد سليمان الرفاعي، السيد زيد السيد محمد الرفاعي محمد الأحمد الغانم نصف اليوسف النصف مشاري الروضان الشيخ عبدالله الجابرالصباح تلك هي حقيقة الحال في المجلس البلدي الثاني آثرت الاشارة اليها مفصلا لكي يتضح لقارئ هذه الصفحات الوجيزة كيف تدرجت المحركات الاصلاحية والوطنية الهامة في الكويت وما كان لعلاقة هذه الشخصيات ومواقف كل منها من الآخر فيتكون لديه صورة مقتضبة أو كاملة عن بعض الوجوه والاحوال .
المجلس البلدي الثالث
وتصرمت دورة المجلس الثانية، وابتدأ الاستعداد لاجراء انتخابات البلدية للدورة الثالثة وظهر واضحا في طلائع انتخابات هذه الدورة عن استعدادات كبيرة تتهيأ لها السلطة وينشط بها الملا صالح الملا لمصلحة نصف يوسف النصف وانصاره واخواله فكان يرسل على بعض الناخبين الذين يظن بهم الطاعة له والخوف منه فيستكتبهم ورقة الانتخابات الخاصة بهم كناخبين في محل ادارته الرسمية ثم يرسلها مع خادمه على المكشوف ليضعها في صندوق الانتخابات الموضوع خارج مقر المجلس البلدي وبهذا اصبح الفوز بكرسي ادارة البلدية مضمونا بصورة قاطعة للمدير سليمان العدساني حيث ان كافة الأعضاء باستثناء مشاري الروضان، محمد أحمد الغانم، نصف اليوسف مصممين بالحصول على تصويته له، فلما يئس الملا صالح من فوز السيد نصف بكرسي ادارة البلدية بالطريق المشروع اوعزوا الى رئيس البلدية بتأجيل دعوة الأعضاء لانتخاب المدير يومين آخرين ريثما يبتوا انفسهم على أمر، وفعلا فقد ركبوا متن الشطط إذ صدر في اليوم التالي كتابان من سمو حاكم الكويت احدهما يقضي باقالة العضو السيد زيد السيد محمد لكونه يحمل جوازا عراقيا متناسين انه قضى دورتين كاملتين عضوا في مجلس البلدية وان بعض المجالس البلدية لا تشترط المواطنية لكافة اعضائها علما بأن السيد زيد كان ابنا عن جد مواطنا كويتيا اضطر لحمل الجواز العراقي لتيسير الاجراءات التي تتطلبها ادارة نخيله الكثيرة في البصرة، والكتاب الثاني باقالة الوطني الصميم مشعان الخضير بحجة واهية جدا هي انه لم يوافقهم على التعهد خطيا!.. بعدم مغادرة الكويت اطلاقا اذ كانوا يعلمون اضطراره الى السفر الى البحرين اثناء موسم المتاجرة باللؤلؤ متناسين ان السيد مشاري الروضان هو الآخر من كبار تجار اللؤلؤ الذين لا يمكنهم البقاء في الكويت اثناء الموسم.
وبهذه اللعبة المكشوفة اسقطوا للسيد سليمان العدساني صوتين من اصوات انصاره واكسبوا السيد نصف صوتين جديدين من مؤيديه الذي كان دورهم احتياطيا ليحلا محل العضوين المقالين كما فصلنا القول وهما الحاج محمد الحمود الشايع خال السيد نصف والسيد محمد العسعوسي صديق السيد نصف، وبذلك ضمن السيد نصف. اما الشيخ يوسف بن عيسى فقد بعث الى الشيخ عبدالله الجابر رئيس المجلس بورقة اعتذار عن حضور الجلسة قال فيها "انا لا أحضر هذه الجلسة لكونها غير شريفة".
وهكذا اضطر سليمان العدساني الامتناع عن حضور جلسة الانتخابات رافعا استقالته الى أمير الكويت من كرسي ادارة البلدية الذي بقى له فيه يوما واحدا ولسان حاله يقول "بيدي لا بيد قصير".
وبهذا انكشف للكويتيين جميعا بعد هذه الفعلة الغريبة من هم الذين كانوا يقفون سنوات طويلة في الدفاع عن مصالحهم ضد تلاعب المتلاعبين من المرتزقة وأذناب السلطة من الحاشية والمتنفذين. وكان من اثر هذا الاستخفاف بمشيئة الناخبين والتزييف المتعمد في ارادتهم ان زال بعد ذلك اثر الصبغة والرقابة الاهلية عن المجلس البلدي فتحكم المتحكمون في اصدار القرارات التي تعجبهم وعدم الاخذ بالاكثرية الا في التافه من الامور. وهكذا خسر الكويتيون في لعبة ساخرة حقا حقوقهم التمثيلية. كل ذلك من اجل ماهية متواضعة لا يتجاوز قدرها مائة واربعين ربية (أي اقل من خمسة عشر دينارا) راتب مدير البلدية حينذاك.
مجلس المعارف الأول
تسربت الحركات الفكرية والثقافية الى الكويتيين بفضل توسع اتصالهم المستمر في البلاد العربية الناهضة وبدأ سوادهم يتذمر لعدم مسايرة الكويت للنهضات العربية في البلاد التي بدأت تسير في طريق الصحة والحياة وادركوا ان سبب هذا التخلف انما يعود لحرمان الكويت من وجود مؤسسة معارف قوية تشرف على التعليم والمدارس وتنفق وتوجه عن سعة. لهذا بدأ قادة الرأي فيهم يدعون الى وجوب قيام مؤسسة معارف مستقلة ذات ميزانية ثابتة، ولما كانت خزينة الدولة ضعيفة أو كانت وقتها لم تألف القيام بالانفاق على أي خدمات أصلية عامة شأن كل الامارات البدائية ادركوا ان سعيهم في الحصول على موافقة الحاكم لتخصيص ميزانية خاصة بالمعارف سيذهب سدى ما لم يخصصوا هم من اموالهم ما يقوم بسداد النفقات فتوافقوا مع الحاكم على فرض ضريبة خاصة تجبى على البضائع الواردة بحرا قدرها نصفا بالمائة كما صنعوا عندما اقنعوا السلطة لدى تأسيس ادارة البلدية، وكان من اكبر الدعين والمتحمسين لهذا الغرض الشاب الناشئ عبدالله نجل المرحوم حمد الصقر مثري الكويت الكبير وكذلك السيد محمد أحمد الغانم، وذلك بسبب كثرة اتصال هذين الشابين بالعراق الذي كان حينذاك يلتمع بحركات النهضة الثقافية والقومية العربية تلفه من كل جانب.
ولكن السلطة تلكأت حتى في تلبية هذا الطلب حيث كان المرحوم ملا صالح واعوانه يوحشون الأمير من قيام مجلس معارف. ولكن بعد عامين من شيوع هذه الفكرة والترويج لها تقدم السيد محمد أحمد الغانم للكلام باسم احرار الكويت فتحدث الى صديقه إذ ذاك الشيخ عبدالله الجابر الصباح المتصرف باسم أمير الكويت وبعد معالجات وتوسلات اقتنع سمو الأمير وأمر بانتخاب أعضاء لمجلس يشرف على تأسيس المدارس والانفاق عليها وتوجيهها. فتم ذلك وفاز كل من الآتية اسمائهم بعضوية (مجلس المعارف الأول) وهم:
(عبدالله حمد الصقر، يوسف بن عيسى، خليفة بن شاهين الغانم، سليمان العدساني، مشعان الخضير، السيد علي السيد سليمـان الرفاعي، مشاري حسن البدر، محمد أحمد الغانم، نصف يوسف النصف، أحمد خالد المشاري، سلطان ابراهيم الكليب، يوسف عبدالوهاب العدساني).
وقد حاول الملا صالح الملا التدخل هذه المرة ايضا بإرجاء موعد اجراء الانتخابات التي بوشر فيها فعلا ليتسنى له التأثير على نتائجها بوسائله المعروفة ايضا غير ان جميع محاولاته باءت بالفشل بسبب حماس اعيان الكويت واحرارها الذين رأوا تلافيا لحدوث ما قد يحدث في الانتخابات لمجالس البلدية الاخيرة ان تقتصر الدعوة على خمسين ناخبا من كبار وجوه الكويت المعروفين يحضرون جميعا ساحة المدرسة المباركية في ميعاد محدد فيدون كل منهم في بطاقة الانتخاب المهيئة لهذه الغاية اسماء اثني عشر شخصا يختارهم لعضوية مجلس المعارف ثم يصار الى فرز الاصوات مباشرة من قبل لجنة مختارة.
وقد التئم مجلس المعارف الأول لاول مرة في المدرسة المباركية عام فلما رفع الأمر الى المرحوم الشيخ أحمد الجابر الصباح أمير الكويت ابى الموافقة وأشار بجلب المدرسين من الديار المصرية سيراجع سموه عنهم في ذلك محمد رفعت سكرتير المحفل الماسوني في مصر ولكن غالبية أعضاء مجلس المعارف عارضوا في ذلك معارضة قوية، لان جمهور الكويتيين ينفرون من الماسونية فضلا عن احتجاجهم بفداهة الماهيات التي يتطلبها المدرسون القادمون من مصر في بلد ناء كالكويت، وعرضوا على سموه ان يختار بين جلب مدرسين من العراق أو من فلسطين على ان يوصي عليهم مجلس المعارف نفسه وإلا فأنهم جميعا سيستقيلون. غير ان الشيخ يوسف وحده كان يقول لا بأس من الاكتفاء بمدرسين كويتيين للتدريس في مدارس الكويت، رغم ان الجميع يعلم ان المدرسين الكويتيين الموجودين حينذاك غالبيتهم لا تحسن سوى تدريس القراءة والكتابة وبعض مبادئ علم الحساب.
وقد جاهد رئيس المجلس الشيخ عبدالله الجابر في اقناع سموه بوجهة نظر المجلسيين فنال موافقته اخيرا وهو يقول: "لا بأس من جلب مدرسين من فلسطين ولكن قُل لرفاقك انه متى حدث أي أمر فان المسئولية ستلقى عندئذ على عواتقهم".
واهتبل أعضاء المجلس هذه الموافقة الغاضبة، وبعثوا فوراً رسالة مسجلة الى الزعيم الحاج أمين الحسيني الذي كان اذ ذاك رئيسا للمجلس الاسلامي الاعلى في القدس يرجون منه ان ان يختار لهم اربعة مدرسين ومديرا لتنظيم المدارس الابتدائية في الكويت والتدريس فيها، وقد وصل هؤلاء ما عدا المدير الذي عرقلت السلطات الانجليزية جواز سفره لاسباب سياسية واستبدل بالسيد (أحمد شهاب الدين) الذي سمي (بمدير المعلمين) والبقية السيد خميس وقد أوكل مجلس المعارف للشيخ يوسف بن عيسى النظارة على المعارف وسمي ناظرا لمعارف الكويت.
وقد اظهر هؤلاء الاساتذة القليلون نشاطا ممتازا وتنظيما طيبا في انشاء المدارس الابتدائية في الكويت على غرار المدارس الابتدائية في العراق وسعوا بالتلامذة الكويتيين سعيا حثيثا في تعوديهم على النظام وتدريبهم على الحركات الرياضية السويدية والكشفية فبعد لاي ألف الكويتيون رؤية بنيهم يسيرون بملابس الكشافة ذات السراويل القصيرة التي تعري ما تحت الركبة ويزمرون بموسيقاهم وينقرون على الطبول في شوارع الكويت وساحاتها وكان عندهم قبل جميع ذلك من اعظم المحرمات واكبر الكبائرا.. وقد اثبتت الحقبة التي قضاها هؤلاء الاساتذة واخوانهم الذين جاؤوا بعدهم من فلسطين على ان المدرسين الفلسطينيين وما هم عليه من دماثة وطيبة عنصر من انسب الناس لتولي مهمة التدريس في بلد كالكويت تغلب على سكانه روح البساطة والتمسك بالدين والتقاليد السلفية.
وكان مجلس المعارف يجتمع مرة واحدة كل اسبوع للنظر والتداول فيما يطرأ من شئون أو يناقش وجوه الانفاق والتحسينات المطلوبة وغير ذلك من الامور المتوجبة، وكانت تنشب الاختلافات في الرأي حول نوعية الترتيبات أو الاصلاحات المطلوبة، خاصة وقد كان الأعضاء يختلفون في العقلية والادراك اختلافا واضحا، الا ان ذلك كان يسوى جميعا في النهاية بروح الود والتسامح.
وقد نبهت هذه الاختلافات وتكررها في وجهات النظر الأعضاء الى وجوب سن نظام أو قانون لمجلس المعارف يرسم الاصول والاسس التي يجري عليها مجلس المعارف وكُلفت انا والسيد أحمد شهاب الدين (مدير المعلمين) بوضع النظام أو القانون المطلوب على اثر خلاف نشب داخل المجلس فى مدى ومدة احترام القرارات التي يصدرها المجلس بالاكثرية.
فقد كان الشيخ يوسف بن عيسى ومعه بعض الأعضاء يرون ان للاكثرية دائما الحق في نقض اي قرار سبق ان اقره المجلس دون التقيد بزمن او دورة معينة، بينما يرى الآخرون ضرورة احترام اي قرار لمدة لا تقل عن ستة اشهر ثم يصح بعد ذلك لاكثرية اخرى ان تنقضه او تعدل فيه كيلا يتأتى من جراء الابرام والنقض اية بلبلة او ارتباك في سير المعارف.
وفعلا انجزنا نحن الاثنين في مدة وجيزة وضع مسودة (قانون المعارف) وحددنا صلاحيات كل من رئيس المعارف ومدير المعلمين، كما جعلنا حداً معقولا لاشراف مجلس المعارف على الامور الادارية. فاما القرارات فقد جعلنا لثلثي الأعضاء الحاضرين في جلسة قانونية حق نقض أي قرار سبق للاكثرية ان اقرته متى شاءت تلك الاكثرية بالثلثين، اما الاكثرية العادية فيجوز لها نقض او تعديل اي قرار سابق بعد مضي ستة شهور من تاريخ اقراره. ولكن مسودة القانون ما كادت تعرض على المجلس في الاسبوع التالي من وضعها حتى تلبدت في الجو غيوم وعواصف تنذر بالشر يبيتها المبيتون تشبتا ببعض الخلافات البسيطة السابقة لهدم انفع مجلس معارف تجمعت فيه اكثرية من اخلص الرجال الذين عرفتهم الكويت قبل وبعد ذلك التاريخ، مما زعزع الصرح المشيد لهذه المؤسسة الى اجل يعلم الله مداه. اما الاسباب فنسردها هنا للعبرة والتاريخ وهذا ملخصها:
في منتصف العام الدراسي الأول تقدم بعض مدرسي الصفوف الأولية من المدرسين الكويتيين الى مجلس المعارف بعريضة يطالبون فيها زيادة رواتبهم الشهرية ولما عرض هذا الطلب عارضه بعض الأعضاء محتجين بانه ليس من الاصول المعروفة النظر في تعديل شئ من الرواتب خلال اشهر الدراسة لان ذلك قد يخلق بعض الاختلافات مع طالبي الزيادة من المدرسين ويحرض الآخرين على التقدم بنفس الطلب مما قد يؤول أمره الى حدوث ارتباكات تؤثر على سير الدراسة والمدرسين خاصة وان ميزانية المعارف المتواضعة لاتحتمل غير الاقتصاد والتدبير لمقابلة الانشاءات التي تتطلبها المدارس في بداية العهد الجديد، ووعدوا كافة المدرسين باعادة النظر في رواتبهم في نهاية العام الدراسي، غير ان الفريق الآخر من الأعضاء وفيهم الشيخ يوسف ونصف اليوسف وأحمد المشاري وسلطان الكليب كانوا يرون الاستسلام وتلبية تلك الطلبات بالنظر لقلة رواتب المعلمين المحليين.
ومع ان هذا الخلاف كان من الامور الممكن حلها بطريقة او اخرى الا ان الأمر تأزم واشتد الى درجة تعذر معها الحصول على التفاهم لا سيما وقد لابس هذا الخلاف ظروف وعوامل شتى اخرجته عن طبيعته الاصلية، وبالرغم من وجود بعض حسني النية من الفريق المحبذ للزيادة الا ان فريقا آخر منهم تظاهر بمناصرة هذا الطلب تدجيلا وتأثيرا على البسطاء بحجة الغيرة على المدرسين الكويتيين، مما سبب نفور الآخرين من الأعضاء فحصل بين الفريقين آثار وانطباعات سيئة تعذر محوها.
وقد اهتبل هذه الفرصة الملا صالح وجماعته فحرضوا الناس وبعض الشباب ومنهم شابان كانت لهم حزازات غرضية مع مجلس المعارف لاسباب معينة منعهما من اجلها من دخول المدارس فاستغلوها حملة شعواء ضد أعضاء المجلس المعارضين للزيادة، فكتبت بعض الكتابات السفيهة على حيطان البيوت وبعض الابواب تحض الجماهير على مقاطعتهم والتنفير منهم، ثم روجوا فكرة كتابة عريضة هيأها الملا صالح سرا ثم دفعها الى الشابين المذكورين مرفوعة الى حاكم الكويت للطواف بها على الجمهور الناقم والتوقيع عليها يلتمسون فيها حل المجلس الحالي دون توضيح الاسباب الموجبة.
ولما حان موعد انعقاد الجلسة القادمة لمجلس المعارف وفتحت الجلسة تلى الرئيس الارادة الأميرية القاضية بحل المجلس، فطلب كثير من الأعضاء من رئيس المجلس توضيح الاسباب التي استند عليها كاتبوا العريضة، وقالوا انه بدون الاسباب المبررة للحل والتي يجب ان تستند عليها كل ارادة من هذا القبيل يكون واضحا ان السلطة هي التي دبرت هذه الحركة المفتعلة لغاية في نفس يعقوب والا فكيف يحل مجلس نظامي انتخب اعضاؤه بصورة شرعية لا مطعن فيها لاسباب غير معروفة.
فرد رئيس المجلس قائلا: "ان الارادة الأميرية صدرت بحل المجلس وانه لا يملك معها شيئا ولا يعلم حتى ما هي الاسباب!".
وعندئذ نهض كل من العضوين مشعل الخضير الخالد ثم السيد علي السيد سليمان وقالا ما معناه: "اما وان المهيجون المغرضون لم يستطيعوا اتهامنا نحن او رفاقنا باي مخالفة او تقصير نحو الواجبات الوطنية المطلوبة منا فانا جميعا نحمد الله جل شأنه على ذلك، اما هذه الحركة المدبرة التي نعرف جيدا مصادرها والباعث عليها والتي تستهدف في الدرجة الأولى شل حركة الاصلاح ومحاربة المصلحين فاننا نستهجنها ونعدها من اشنع الوسائل لعرقلة الاصلاح والتقدم، وما دامت السلطة تتحدى العاملين استنادا على القوة فقط وحدها فاننا لا نرى فائدة بعد الآن من التعاون معها وفي اي مجال كان، ولذلك فاننا نعلن هنا استقالتنا نحن ورفاقنا الذين هم أعضاء في المجلس البلدي ولما حاول العضو السيد نصف اليوسف الكلام لاقناع المذكورين بالعدول عن استقالتهم في مجلس البلدية قائلا: "ان البلدية شئ ومجلس المعارف شئ آخر"، اسكتوه غاضبين وقالوا: "انهم يدركون جيدا مصدر تلك المؤامرات التي تدبر ضدهم". ثم انفضت الجلسة على اثر ذلك.
اما السلطة فانها أمرت حالا باجراء انتخابات جديدة لمجلس المعارف الثاني ولكنها حددت هذه المرة عدد من اعضائه بستة بدلا من اثني عشر وفرضت الشيخ يوسف بن عيسى (مديرا للمعارف) وعضوا معينا فيه، وانتخب للمجلس كل من (أحمد الحميضي، أحمد المشاري، نصف بن يوسف، سلطان الكليب، عبدالرحمن البحر، عبدالمحسن الخرافي).
وهكذا جعل الشيخ يوسف من قبوله بالتعيين للعضوية وللادارة موضع الشك والريبة فأقر بذلك حق السلطة في تعيين من تشاء وهي سابقة خطيرة كان الكويتيون يحاولون اتقاءها بكل وسيلة لان الاعتراف بحق التعيين للسلطة وهي مستسلمة للمغرضين من الحاشية والأذناب يجعل جميع مثل هذه المؤسسات النافعة التى كافح الكويتيون على قيامها واستقلالها لعبة لاعب، كما ان هذا التسليم الصامت من الشيخ يوسف بن عيسى وهو الرجل ذو المكانة المرموقة بل رضائه عن حل المجلس واقتصار عدد اعضائه على ستة بدلا من اثني عشر الأمر الذي كان ينادي به دائما عندما اشتد الخلاف بينه وبين الفريق الآخر، كل ذلك يدعو للأسف والحزن الشديد.
اما مجلس البلدية فبعد استقالة فريق (الكتلة المتفاهمة) من عضويته رفض الاحتياطيون الأولون الفائزون بكثرة من الاصوات تلي اصوات الأعضاء قبول عضويته التي تحق لهم بالتسلسل وهم: يوسف عبدالوهاب العدساني، خالد الزيد الخالد، عمر العلي العمر ثم براك الخميس، وذلك مشاركة منهم بالاحتجاج على حل السلطة لمجلس المعارف دون تبرير الاسباب.
كذلك فان الرفاق الاحرار اعتزموا التخلي عن كل عضوية لهم في أي مجلس او هيئة عامة فاستقالوا حتى من عضوية (مجلس مكتبة المعارف) التي اقاموها بهمتهم ليفسحوا ميدان العمل للمتقدمين وليتيحوا ايضا الفرصة للناس جميعا من المخدوعين والمضللين تبين الصالح والطالح من الرجال ومدى استعداد كل فريق للعمل والتضحية في اداء الواجب وخدمة الكويت.
وقد كشف المستقبل السريع اصالة هذا التدبير وسلامته اذ كانت الايام القليلة القابلة بالرغم من قصر امدها كفيلة برفع الغشاوة عن اعين الجمهور المنخدع، وتبين للكويتيون ان لا صلاح حقيقي يرجى في الكويت ما لم تكن هذه الصفوة المختارة من الرجال المتآخين المتساندين في سبيل الاصلاح هي العامل الاساسي فيه، كما ظهر مع الايام ان بعض من استشاموا فيهم الخير ليسوا إلا آلات مسخرة لا يهمهم الا التقرب من السلطة وأذنابها بغية النفع والزلفى.
هذه هي الظروف التي بدأ فيها الشباب الناشئ يغربل ويميز صنوف الحوادث وقيم الرجال. وقد برز خلال هذه الفترة الهامة شابان من أقوى شباب الكويت وأمتنهم عقيدة واستقامة وكلاهما ينتمي الى اكبر واشهر الاسر الكريمة في الكويت، الأول عبدالله حمد الصقر، والثاني صديقه وقريبه عبداللطيف محمد الثنيان، وكان لي شرف التعاون معهما في كل احداث الكويت التالية الى مدى طويل كما يتضح فيما تلى من احداث.
وقد كان لدخول هذين الشابين القويين البارزين معترك الجهاد الوطني مع المكانة التي يتمتعان بها من الجميع الى جانب الفئة الصالحة من رجالات الوطن اثرا بارزا في تقوية المعنويات وتجديد شعلة الوطنية، فبدأوا اول ما بدأوا بالاتصال ببعض الشباب المتحمس الذي كان منخدعا فيما مضى ببعض الدعايات واستدرجوهم الى العمل مع الصف الوطني والرجال الاحرار. وكان الشاب محمد البراك ذا مكانة ملحوظة وله صداقات كثيرة عند شباب الكويت الناشئ وكان متحمسا ضد رجال الحاشية الا انه في بعض الاحيان أو غالبها يلجأ الى التهور والسباب بتأثير عواطفه ويجنح الى التطرف البعيد.
وكان مجلس البلدية الصوري القائم على وشك الانحلال لانتهاء الدورة الرابعة له فرأى هؤلاء ان يبدأ نشاطهم ببث الدعاية بين جمهور الكويتيين للمطالبة باصلاح قانون الانتخابات للمجلس البلدي درءا للتلاعب والتجاوز المعروف في حرية الانتخابات. وعندما نضجت دعايتهم نظموا بذلك عريضة صدروها بتمجيد سمو الأمير ثم التوسل اليه بجعل الانتخابات لمجلس البلدية المقبل على غرار الانتخابات للمجالس البلدية في البلاد الاخرى فطالبوا بتعليق جداول باسماء الناخبين قبل اجراء الانتخابات وغير ذلك من الاصول المتبعة، ثم طافوا بهذه العريضة يستمضونها من البارزين من التجار والاعيان وغيرهم لرفعها الى سموه.
وقد ادرك اول من ادرك خطر نجاح هذه الحركة الاصلاحية العادلة على منصبه مدير البلدية القائم الذي وصل الى منصب المدير بوسائل تعسفية اسلفنا ذكرها، كما تهيب الملا صالح وغيره من المتلاعبين ان يقبل الأمير او ان يستسلم للموافقة على تلبية مطالب الجمهور فعمدوا يدا واحدة على الدس عند سمو الحاكم وسعادة رئيس مجلس البلدية ضد هذه الحركة ومروجيها ليدفعهما الى قمع الحركة والضرب على ايدي القائمين بها. وقد تم لهم ذلك طبعا ولكن ادرك الشباب في الكويت بعدها بصحة جوهر الرجال وقيمة كل منهم.
وبدأت السلطات في الكويت بفعل الموسوسين تتهيأ للقضاء على الحركة الوطنية والانتقام من الشباب المتحمس، لا سيما الشاب (محمد البراك) خاصة وانه كان يسرف بالتهجم على السلطة في الشوارع والدواوين بالفاظ جارحة دون وعي ولا اتزان.
وقد حدث خلال هذه الفترة ان اضرب سواق السيارات الاجرة في الكويت لصدور أمر من السلطة بمنع نقل النساء خارج البلدة الا باذن رسمي، وذلك اثر حادث جرى لبعض النسوة اللاتي كن يتنزهن على عوائدهن السنوية خارج المدينة ايام الربيع.
وقد وجد اصحاب سيارات الاجرة في هذا الأمر شلاً لحركة السيارات وقطعا لارزاقهم، وما ان نفذ الاضراب الذي كان مقتصرا على الامتناع عن السياقة ووضع السيارات في (كاراجاتها) باختيار السواق انفسهم، حتى بعث الشيخ عبدالله الجابر في جلب فريق منهم وزجهم بالسجن وأمر بضرب احدهم وهو السائق الشاب (عبدالله العصفور) ضربا موجعا ثم طاف به في الاسواق.
وفي ضحى اليوم نفسه جئ بالشاب (محمد البراك) الذي لا علاقة له بالسيارات لدى الشيخ عبدالله الجابر متهما بالتحريض على الاضراب فضرب ضربا مبرحا للغاية، وعزر ثلاثة ايام متتالية تعزيرا شديدا، واخذوا يطوفون به في الاسواق والحراس من خلفه يقودونه الى السجن ويضربونه باعقاب البنادق، واخيرا غلت رجلاه بالحديد وقذف في حجرة دامسة لا ينفذ اليها النور.
وقد اضطر البراك اثناء تعزيره كل يوم للتخلص من الضرب وهم يطلبون اليه الاعتراف باسماء شركائه ان يذكر اسماء عبدالله الصقر وحمد الحميضي وسلطان الكليب وهو مدرك براءة هؤلاء ولكنه يعتقد ان السلطة لن تقدم على القبض على احدهم لمكانته العائلية. وفعلا اجتمع في مكتب الحاج "محمد ثنيان الغانم" ذوو هؤلاء واقرباؤهم للتداول فيما عساهم ان يصنعوا لو ان السلطة همت بالقبض على احد هؤلاء الثلاثة، وسرى خبر هذا الاجتماع الكبير الى السلطة فامتنعت عن ملاحقة احد بعد ذلك. وقد عمدت السلطات الى هذا الارهاب الشديد لتخويف العناصر الناقمة بتحريض من الدساسين والمستغلين، ثم اصدرت أمرها -تحديا- بدعوة الناخبين لانتخاب أعضاء للمجلس البلدي للدورة الجديدة محرمة على الناخبين انتخاب كل الذين استقالوا من مجلس البلدية اثر حل السلطة لمجلس المعارف الأول وهم: مشعان الخضير الخالد وسليمان خالد العدساني والسيد علي السيد سليمان الرفاعي ومشاري الحسن البدر وخليفة بن شاهين الغانم، وهم كما لا يخفى على احد من اعيان الكويت ورجالاتها البارزين العاملين. ولكن الكويتيين اضطروا الى السكوت مرغمين فترة طويلة يكنون الحقد والكراهية لهذه الاساليب المنفرة، كما استمر الملا صالح ومن معه على التلاعب بالانتخابات والاستخفاف باقدار الرجال، مما كانت عواقبه تنفير الكويتيين جميعا منه وممن معه. وسرت وسوسة بين بعض الناقمين الحاقدين للالتجاء الى القنصل البريطاني في الكويت وكان إذ ذاك (الكابتن ديكوري) للتخلص من هذا الحال الجائر، حتى ولو آل الأمر الى الحكم البريطاني المباشر، لا سيما وان المذكور كان يتصيد كل حركة ضد سمو الأمير لفتور في العلاقات الشخصية بينهما. وقد استغل الكابتن ديكوري نقمة بعض الحاقدين فاخذ يرسل رسله وكتابه الى بعض المهيجين ويمنيهم بتغيير شكل الحكم الحالي الى حكم انكليزي مباشر كما يقول او غير مباشر كما يشاؤن، وطلب الى بعضهم تحرير عريضة موقعة من خمسين رجلا من اعيان الكويتيين وتجارهم تطالب بنوع الحكم الانكليزي الي يرغبون وتسلم اليه لرفعها الى الحكومة الانكليزية. كما انه اخذ من الجهة الثانية يتودد الى سمو الشيخ عبدالله السالم ولي العهد نكاية بسمو الأمير القائم أحمد الجابر الصباح.
وقد حرر بالفعل عدة تقارير الى المقيم البريطاني في الخليج يصف له فيه استياء الناس المتزايد وغير ذلك من الامور ضد الحاكم، كما انه بدأ يستدرج بعضا من أفراد العائلة الحاكمة ويمنيهم بتوسط الحكومة الانكليزية لزيادة رواتبهم وانصافهم كما يقول من أميرهم عملت هذه العوامل والاحكام الكيفية التعسفية على توحيد صفوف الناقمين مع اختلاف اغراضهم وتباين افكارهم ومبادئهم. وكانت السلطة تنقم اكثر ما تنقم من رجال البلد الاحرار وهم: مشعان الخضير وسليمان العدساني والسيد علي السيد سليمان ثم عبدالله الحمد الصقر وكاتب هذه السطور. ثم دخل في النقمة بعد ذلك المرحومان سلطان ابراهيم الكليب ويوسف مرزوق المرزوق لاسباب شخصية محضة خاصة بهما. فابتدأت المشاورات والمساررات تتصل بين الجماعة المغضوب عليهم في خيام آل الصقر التي كانوا ينصبونها كل ربيع خارج سور الكويت في (الراس) قرب المنطقة المسماة رأس الارض. وذات يوم حاولني سلطان الكليب بحضور صديقيي الحميمين عبدالله الصقر وعبداللطيف الثنيان على تأليف جمعية سرية للعمل من اجل الاصلاح وقد تعددت بعد ذلك بيننا الاجتماعات في خيمة الصقر وفي دارهم بالكويت نتبادل فيها وجوه النظر ونقلب الرأي على كافة الوجوه لاختيار اجدى الطرق وانفع الوسائل للعمل في سبيل الصالح العام. وكنا ما عدا عبدالله وعبداللطيف نتحفظ من سلطان الكليب في بعض اسرارنا المهمة، بينما كان هذان الصديقان يعملان من جانبهما على ايجاد الثقة وتعزيزها بين جميع الاطراف، خاصة وانهما كانا جديدين لم تعلق نفساهما بشوائب الماضي واحداثه الموجعة.
ولقد كان القنصل الكابتن ديكوري ناشطا بالاتصال بيوسف المرزوق واخيه من امه المرحوم حمد الصالح الحميضي، وكان سكرتيره الشرقي (عبدالله جاسم البودي) وهو من الكويتيين المعروفين يتردد بإيعاز من ديكوري ينقل اليه ما يشجعهما ويوعز لهما بتكثير الانصار للعمل على تقديم العريضة الحكومة البريطانية كما سلف ذكره. كما ان السكرتير كان يتصل من جهة ثانية بسلطان الكليب لانه ادرك انه اصبح من الناقمين بعد عزله من ادارة شركة الكهرباء ينقل اليه ويأخذ منه الاخبار. وقد مكن سلطان صداقته من عبدالله بودي توقعا للحوادث المقبلة.
وكانت ايعازات القنصل ليوسف المرزوق تقتصر على اعداد عريضة موقعة من جماعة بارزة من الكويتيين لا تقل عن الخمسين شخصا، يطلبون فيها من الحكومة البريطانية تغيير نظام الحكم بالكويت اما بجلب مستشار انكليزي يدير كافة شئون الامارة على منوال ما هو حاصل في البحرين أو الحاق الكويت مباشرة بالتاج البريطاني شبيها بنظام الحكم القائم حيئذ بعدن، اما نحن فقد رأينا وجوب العمل لتدارك كيان البلاد لما فيه صالح الشعب الكويتي ولا بأس لدينا من استغلال هذا التوتر القائم بين السلطة والقنصلية البريطانية لمصلحة الشعب الكويتي. على ان لا يؤدي ذلك الي تغيير جوهري في نظام الحكم المتعارف عليه. وبدأت حملاتنا في الصحف العراقية الوطنية كالسجل البصرية والاستقلال البغدادية وكانتا مشهورتين حينذاك بمواقفهما في نصرة القضايا العربية والوطنية تتركز ضد فوضى الاحكام والتصرفات الكيفية، وطالبنا فيها بإجراء الاصلاحات الضرورية لا سيما اشراك الشعب في ادارة شئون البلاد.
غير ان السلطة شددت الرقابة على المسافرين القادمين من العراق وتفتيش امتعتهم لمنع الصحف المحرضة من دخول الكويت، فحفزنا ذلك على المزيد من الشجاعة والاقدام، فجعلنا نجلب هذه الصحف ونوزعها في الاسواق ونودعها في المكتبات بطرق حيرت السلطة واجزعتها. ثم عقب ذلك طبعنا بعض المناشير الاصلاحية وتوزيعها ونشرها في كافة شوارع الكويت واسواقها مما احدث لغطا كثيرا وشدد من عزائم الناقمين.
بيد ان السفير البريطاني في بغداد وكان له نفوذه البارز في منطقة الخليج لما رأى من تواصل حملات الصحف العراقية واشتدادها خشى العواقب واشتبه في كون بعض رجالات الحكومة في العراق أو متصرف البصرة لهم ضلع فيها، فبعث سكرتيره الى الكويت مرتين للتثبت من هذا الأمر، ولكن القنصل ديكوري طمأنه في ذلك وابلغه ان الحركة ما هي الا حركة كويتية داخلية من اجل الاصلاح والقضاء على الفساد القائم، غير انه مع ذلك تسربت اليهم انباء عن تفكير بعض الكويتيين او كثير منهم بالتجنس بالجنسية العراقية للاطمئنان بعض الشئ على نفوسهم ومصالحهم من بطش السلطة ولو ان شيئا من ذلك لم يحدث الا انها اشاعات تعمد البعض ترويجها لتحذير السلطة وتنبيه الانكليز وتخويفهم من العراق والعراقيين وهو السلاح الوحيد الذي كانوا يملكونه حينذاك. وصادفني ذات يوم لاول مرة في السوق الداخلية عبدالله جاسم البودي سكرتير القنصل ديكوري فحدثني في وجوب العمل للتخلص من نظام الحكم القائم فأفهمته صراحة ان الجماعة المعروفين الذين انتمي اليهم لا يمكنهم التورط بطلب جلب مستشار انكليزي لحاكم الكويت وهم يذكرون جيدا اساليب المستشار الانكليزي الكيفية في البحرين. قال: "اذا طالبوا بحكم انكليزي مباشر تطمئنون فيه من توفر روح القانون والنظام"، قلت: "حتى ولا هذا، ان اغلبية الكويتيين تنفر من قيام حكم انكليزي كائنا ما كان، ولكن جماعتنا يكونون ممتنين جدا لو ان القنصل ساعدهم على تهيئة نوع من انواع الحكم الديمقراطي الذي تتمثل فيه ارادة الشعب على ان تبقى العائلة الحاكمة هي الرمز الاعلى للحكم كما هو الحال في انكلترا"، اما غير ذلك من المحاولات فقد حرصت على اقناعه ان جماعتنا وهم الغالبية الفعالة في الكويت كما يعلم لا يمكن لهم الاشتراك فيها. ولما اجتمعت بعد ذلك بجماعتنا وجدتهم كلهم على الرأي الذي فصلته. وقد عملنا بعد ذلك على اقناع المرحومين يوسف المرزوق واخيه حمد الحميضي وكانت لهما اتصالات بالقنصل بوجهة نظرنا هذه فاقتنعوا بها. وقد رأينا خلال هذه الظروف الدقيقية وجوب تأليف كتلة متضامنة من المهتمين بهذه القضايا تتعامل للعمل على ما فيه صالح الكويت، ورأينا ان يقتصر عددها على اثني عشر عضوا من السادة: مشعان الخضير، السيد علي سليمان، سليمان العدساني، عبدالله الصقر، عبداللطيف محمد الثنيان، يوسف الصالح الحميضي، سلطان الكليب، يوسف المرزوق، عبدالعزيز حمد الصقر، حمد الصالح الحميضي وكاتب هذه السطور، على ان تناط رئاستها الى الحاج للوجيه محمد ثنيان الغانم الذي كان الوطنيون يعقدون عليه آمالا طيبة، نظرا لمكانته الاجتماعية الكبيرة وحماسه للقضايا الوطنية. والطريف في الذكر ان المذكور كان لا يعلم شيئا عن الجمعية ولا من هم أعضاءها بالضبط، ولو انه كان يتخرص تخرصا لان يدرك ان الجماعة جماعته على كل حال. وقد تعمدنا عدم الافشاء اليه بالاسماء لانه رحمه الله لم يكن يستطيع كتمان اي سر عن عائلته..
فاجتمعنا اول ما اجتمعنا في منزل عبداللطيف الثنيان وهناك اقسمنا اليمين على الاخلاص لمبادئ الجمعية التي سميناها (الكتلة الوطنية) وصيانة اسرارها، واقتصرت مبادئ الكتلة على نقطتين هامتين فقط:
اولا - المطالبة بقيام مجلس تشريعي على اساس انتخابات حرة شريفة.
ثانيا - يناط بهذا المجلس كافة الصلاحيات للاشراق على تنظيم شئون الامارة.
ثم تتابعت اجتماعتنا السرية ليلا تارة في منزل العضو عبداللطيف الثنيان واخرى في منزل والدي سليمان العدساني. وكنا خلالها نتداول في احسن وجوه العمل للدعاية الوطنية على ضوء الانباء والاخبار التي تردنا ثم نعمل كل ما نستطيع عمله لتوجيه الرأي العام وتهيئته للعمل معنا، مما ترك الناس يتحسسون بوجود جمعية سرية نشيطة ويتخرصون في اسماء اعضائها وعددهم، غير انهم عجزوا عن معرفة مقر واوقات اجتماعاتنا ومقرراتنا. وبعد مدة طويلة التقيت بعبدالله بودي فذكر لي انه جاء الى السوق الآن ليتحدث الى محمد الثنيان أو عبدالله الصقر غير انه لم يجد احدا منهما، ثم اطلعني على كتاب رسمي وارد من المقيم البريطاني في الخليج الى القنصل في الكويت يطلب منه فيه تبليغ سمو حاكم الكويت باسم حكومة الجلالة البريطانية (مذكرة شفهية) بما معناه (اولا : لقد بلغ الحكومة البريطانية أمر التعزير الوحشي الذي عزر به محمد البراك من قبل السلطات، ولذلك فهي ترجو من سمو الشيخ عدم تكرار مثل هذا العمل . ثانيا : ان الحكومة الانكليزية مقتنعة من استياء الاهالي من فوضى الاحكام في الكويت قبل وبعد حادثة البراك، كما انها من جهة اخرى لا تستبعد ان تتسرب موجات الديمقراطية الى اذهان الكويتيين، لذلك فانها تشير على سموه ان يعمل لاشراك رعاياه ومشاورتهم في إدارة حكم البلاد).
ثم جاء في حاشية المذكرة الى القنصل ملاحظة تقول (بما ان الحالة في الكويت ربما تستدعي وجود مستشار انكليزي الى جانب الأمير فالحكومة البريطانية يسرها ان تعرف رأي سمو الأمير في ذلك الأمر).
وذكر لي السكرتير بودي ان الحكومة البريطانية وضحت للقنصل في مذكرة اخرى ان هذه الملاحظة لا تعني رغبة الحكومة الانكليزية الجدية في ارسال مستشار انكليزي للكويت، وانما هو من قبيل الضغط على الأمير لاقناعه بقبول اشتراك رعاياه في ادارة شئون البلاد، اذ ان الحاكم يدرك ان وجود مستشار انكليزي الى جانبه كفيل بنزع كافة الصلاحيات منه كما هو الحاصل في البحرين.
ذلك هو مضمون المذكرة البريطانية اطلعت على صورتها الاصلية وحفظت معانيها جيدا، وفي الليل قصصت على الجماعة أو الجمعية قصتها كما هي، ورويت لهم ان السكرتير ابلغني ان القنصل البريطاني كان يتمرن امامه كيما يتقن نقل المذكرة الشفهية الى صاحب السمو في صباح الغد. فتداولنا جميعا فيما يجب عمله للاستفادة من تأثير هذه المذكرة الشفهية على نفسية الأمير، واتفقنا جميعا على وجوب الاتصال بالحاج محمد الثنيان والشيخ يوسف بن عيسى بصفتهما ابرز اقطاب الكويت لاقناعهما بالعمل معنا وليكونا على رأس المفاوضين للمطالبة بالاصلاح، وانتدبنا للاتصال بهما السيد عبدالله الصقر الذي اتصل بالشيخ يوسف بن عيسى اولا فلم يجد منه استعدادا للعمل ولو انه تمنى لنا التوفيق، اما الحاج محمد ثنيان الغانم فقد استبشر بالدعوة وقبل رئاسة الشرف للكتلة الوطنية، رغم ان عبدالله الصقر وهو قريبه لم يكشف له عن اسماء اعضائها او عددهم وانما اكتفى ان يقول له ان الكتلة تتألف من الجماعة الذين يشتركون معي في الرأي والمبدأ مما لا يخفى عليك أمرهم، ووضح له الغاية المرجوة من تآزر العاملين لمصلحة البلاد في هذه الظروف الدقيقة التي تجتازها الكويت كما لمح اليه ببعض العوامل المشجعة والمبشرة بالنجاح. وقد اظهر المذكور حماسا طيبا لمناصرتنا وتأييدنا وانما رجى امهاله يوما او يومين ريثما يستطيع اقناع الشيخ يوسف بن عيسى للاشتراك معنا في العمل.
ويجدر بالذكر ان نشير هنا ان السيد نصف اليوسف النصف مدير البلدية عندما احس بتباشير نجاح الوطنيين ورجحان كفتهم اخذ يتقرب الى الحاج محمد الثنيان الغانم حيث كان على يقين من اهمية مركزه في الحركة الوطنية القائمة ويتردد عليه في دكانه في السوق محاولا التأثير عليه ليجعل لنفسه مكانا في المستقبل مع الوطنيين خاصة وان الحاج محمد الثنيان نظرا لتغيبه المستمر عن الكويت في الهند كان يجهل احداث الكويت السابقة ومواقف السيد نصف منها، غير ان عبدالله الصقر فطن الى هذه المحاولة فحذر الحاج محمد الثنيان من الاصغاء اليه او كشف اسرارنا عنده.
ومضت بضعة ايام ونحن نحاول محمد الثنيان ان يترأس الوفد الذي نختاره لمفاوضة سمو الأمير بمطالبنا المعروفة، غير ان المذكور كان يمهلنا لمحاولة اقناع الشيخ يوسف بن عيسى بالاشتراك معه في ذلك، غير ان الشيخ يوسف لم يقبل الاشتراك في مفاوضة الأمير ولكنه قال للحاج محمد الثنيان: "انا لا اذهب معكم ولكني استصوب رأيكم وادعو لكم بالنجاح".
وفي ليلة ثلاثين من ربيع الثاني عام 1357هـ اجتمع كل أعضاء الكتلة الوطنية الموجودين في الكويت ليلتها وكانوا عشرة -تغيب عن الاجتماع عبدالله الصقر وحمد الحميضي لعدم وجودهما في الكويت- وقر رأي الجميع انتداب وفد لمفاوضة سمو الشيخ في صباح الغد ووقع الاختيار على الحاج محمد الثنيان الغانم وسليمان العدساني وعبدالله الصقر على ان يكون الأول رئيسا وحملناهم هذه الرسالة الى سمو الأمير :
حضرة صاحب السمو الأمير الجليل أحمد الجابر الصباح ادام الله بقاه
يا صاحب السمو ان الاساس الذي بايعتك عليه الأمة لدى اول يوم من توليك الحكم هو (جعل الحكم بينك وبينها على اساس الشورى التي فرضها الاسلام ومشى عليها الخلفاء الراشدون في عصورهم الذهبية).
غير ان التساهل الذي حصل من الجانبين ادى الى تناسي هذه القاعدة الاساسية كما ان تطور الاحوال والزمان واجتياز البلاد ظروفا دقيقة بعث المخلصون من رعاياك ان يبادروا اليك بالنصيحة راغبين التفاهم واياك على ما يصلح الامور ويدرأ عنك وعنهم وادي الايام وتقلبات الظروف ويصون لنا كيان بلادنا ويحفظ لنا استقلالنا، غير قاصدين إلا ازالة الشكوى واصلاح الامور من طريق التفاهم مع المخلصين من رعاياك متقدمين اليك بطلب تشكيل مجلس تشريعي مؤلف من احرار البلاد للاشراف على تنظيم امورها. وقد وكلنا املي كتابنا هذا ليفاوضوك على هذا الاساس والله تعالى نسأل ان يوفق الجميع لما فيه صالح البلاد.،،،
30 ربيع الثاني 1357هـ جماعتك المخلصين
وذيلنا هذا الكتاب بكلمة (جماعتك المخلصين) كيلا يعلم الأمير اسماء وعدد الجمعية السرية (الكتلة الوطنية) التي كان الناس يبالغون في كثرتها.
وفي الصباح توجه الوفد الى سمو الشيخ في قصره الكائن على ساحل البحر (قصر السيف) حيث كان يجلس جلسته المعتادة الى زواره والمترددين عليه، وهناك رجوا من سموه الاجتماع به على حدة، حيث ناولوه الرسالة آنفة الذكر وكاشفوه في الغاية التي وفدوا من اجلها. وفي هذا الاجتماع تكلف سموه مجاملتهم وابدى ارتياحه الى تحقيق الفكرة التي جاؤوا من اجلها وقال انه ليسره على الدوام ان يصارحه المخلصون بما فيه صالح الكويت ثم قال انه سيرسل عليهم غدا في مثل هذا الوقت ليتداولوا معهم في الأمر ويعطيهم رأيه فيه.
وقد حضر هذا الاجتماع متعمدا فقط الشيخ فهد السالم الصباح اخو ولي عهد الامارة الثاني من ابيه. وبعد انصراف الوفد من سمو الأمير ارسل الشيخ عبدالله السالم الصباح ولي العهد اخاه فهد الى ديوان الشيخ يوسف بن عيسى طالبا اليه تبليغ الجماعة (أعضاء الوفد) تأييده هو واخيه لمؤازرة الجماعة واستعداده للتعاون معهم في تحقيق مطالبهم، فكانت هذه الروح الطيبة من البوادر الجميلة التي شجعت عزائم الوطنيين وبشرتهم بالنجاح. وقد ارسل الأمير على أعضاء الوفد رسوله في اليوم التالي يدعوهم الى الاجتماع به، وقد وجدوا معه في انتظارهم سعادة الشيخ عبدالله السالم الصباح الذي طلب الأمير حضوره الى جانبه وابدى سموه موافقته على تشكيل المجلس وانما اشترط ان يكون الشيخ عبدالله السالم رئيسا للمجلس المنتظر.
فرد عليه أعضاء الوفد كل بدوره محاولين الايضاح لسموه ان أمر رئاسة المجلس من اختصاص اعضائه الذين ستنتخبهم الأمة بكامل حريتها وانه ليس في مكنتهم البت فيها منذ الآن وقالوا ان مهمتهم تقتصر على مفاوضة الأمير واخذ موافقته على تشكيل المجلس والأمر باجراء الانتخابات، والواقع ان احدا من هؤلاء ما كان يفكر في ترشيح غير سعادة الشيخ عبدالله السالم الصباح لرئاسة المجلس العتيد لا سيما بعد ان ظهر منه التأييد الكامل لهم غير انهم رأوا ان لا تفرض على الكويتيين هذه الرئاسة فرضا وانما تجري على سننن الانتخابات، فرد الأمير وهو يحاول جس نبضهم: "ومتى قلنا لكم انه ليس عندنا لكم مجلس ولا غير مجلس ماذا تفعلون؟"
فنهض عندئذ رئيس الوفد الحاج محمد ثنيان عن كرسيه غاضبا وهو يقول: "نقول في أمان الله". غير ان سمو الأمير وهو المشهور بسعة حلمه ودماثته المعروفة تدارك الأمر قائلا: "العفو انا امزح معكم.. استرح يا ابي عبداللطيف، انكم احرار في انتخاب رئيسكم ولكم ان تباشروا بالانتخاب فورا". وتكلم الشيخ عبدالله السالم فقال: "انا من رأيي التعجيل بالانتخابات حالا كيلا تحصل تحزبات عنصرية وغيرها"، وكان يخشى حفظه الله تكتلات العجم وغير ذلك.
وعندها خرج أعضاء الوفد من لدن سموه شاكرين مستبشرين واجتمعوا فورا بأعضاء الكتلة الوطنية حيث عرضوا عليهم نتيجة المفاوضة، فاستحسن الجميع دعوة الشيخ يوسف بن عيسى والحاج أحمد الحميضي وهما ابرز وجهاء الكويت ليطلعوهما على ما حصل.
فاشار الشيخ يوسف بن عيسى بضرورة الاسراع بالانتخابات قبل ان تبدر بوادر تحزبية غير مستحسنة واتفق الجميع على ان تتألف لجنة للاشراف على الانتخابات من بعض وجهاء البلد (الشيخ يوسف بن عيسى، الحاج أحمد الحميضي، محمد ثنيان الغانم) ولم يكن بالامكان العمل بغير ذلك خاصة وان احدا في الكويت لا يشك مطلقا في نزاهة هؤلاء المختارين، واجتمعت اللجنة ظهر ذلك اليوم في ديوان يوسف مرزوق المرزوق حيث هيئوا قائمة اسماء ثلاثماية وعشرين ناخبا من مختلف العائلات في الكويت ومنهم فريق من الحساوية والعجم الذين استوطنوا الكويت لسنين طويلة، ودعوا جميع هؤلاء للحضور بعد صلاة العشاء ليلا في ديوان آل الصقر حيث يباشروا باجراء الانتخابات فورا بحضور الجميع.
وقد حاول فريق من الناقمين صد الناس عن تلبية الدعوة والمطالبة بمقاطعة الانتخابات بحجة السرعة التي ستجري فيها، ولكن الصحيح ما كانوا يدركونه من انفضاض الناس عنهم وعدم رغبتهم في انتخابهم فودوا لو امهلوا لاحداث بعض الشغب ولهم من رجال السلطة والحاشية ما يمكنهم من ذلك لو اتسع لهم الوقت، غير انهم لم يجدوا من يصغي اليهم فاضطروا للحضور بانفسهم كارهين وطالبوا باضافة عضوين آخرين الى أعضاء اللجنة التي تشرف على الانتخابات وفرز الاصوات فاجيبوا حالا الى ما طلبوا، وبوشر بالانتخابات بتمام الهدوء والنظام.
وفي الصباح تم فرز الاصوات بحضور اللجنة المشرفة فاذا بالسادة الآتية اسمائهم يفوزون بعضوية المجلس التشريعي بالتسلسل:
عبدالله حمد الصقر، محمد ثنيان الغانم، الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، السيد علي السيد سليمان العدساني، مشعان الخضير آل خالد، حمد الداود المرزوق، سليمان خالد العدساني، عبداللطيف محمد الثنيان آل غانم، يوسف الصالح الحميضي، مشاري حسن البدر، سلطان ابراهيم الكليب، صالح العثمان الراشد، يوسف مرزوق المرزوق، خالد العبداللطيف الحمد.
وقد كان هذا الفوز الساحق لأعضاء الكتلة الوطنية وانصارهم مثار فرح وسرور عظيمين في كافة ارجاء الكويت، وقد جعل الكويتيون يهنئون بعضهم بعضا على هذا الفوز الباهر والتوفيق المبين ولكن الصدمة كانت كبيرة على الذين كانوا يمنون انفسهم بالنجاح وهم:
ثنيان محمد الغانم، محمد أحمد الغانم، يوسف عبدالوهاب العدساني، نصف يوسف النصف، خالد الزيد الخالد، عبدالمحسن الناصر الخرافي.
فلما سقطوا وكانت غالبيتهم من المتصلين بالملا صالح تعاونوا فيما بعد على عرقلة اعمال المجلس واثارة كل الفتن لهدم المجلس والمجلسيين.
وقد تحدث السيد خالد العبداللطيف الحمد ولم يكن اذ ذاك منتميا الى اي فريق فقال: "لقد اقنعني بعض الناقمين بمقاطعة الانتخابات واجتمعوا في بيتي قبيل الوقت المحدد لها لتدبير الخطة في اثارة الجمهور وتحريضه على عدم الانتخاب داخل مكان الانتخابات وخرجنا جميعا ذاهبين الى ديوانية الصقر مقر الانتخاب وكانت الخطة تقضي بان اقوم انا اولا واتفوه باي شئ ادعو الناس فيه الى التضحية ونكران الذات ثم يتلونى الآخرون بما يثير الناس ويبلبل افكارهم فتحصل الفتنة وتؤجل الانتخابات وهو الهدف الأول من ذلك ثم يتسع لهم الوقت لفعل ما يريدون وقد تكلمت فعلا قبل توزيع بطاقات الانتخابات ثم جلست وتلفت الى جماعتي آملا ان اجد احدا منهم يقتفي اثري كما كنا متفقين غير انهم تهيبوا الموقف اذ لم يجدوا اي وجه للاعتراض سوى المطالبة باضافة عضوين الى لجنة الاشراف على الانتخابات احدهم يوسف العدساني وباشروا بعد ذلك هم انفسهم بالانتخابات مؤملين بالفوز فانخرطت معهم وكتب لي الفوز من دونهم.
ولقد حفز هذا الفشل المنتظر بالانتخاب لهؤلاء الناس الى تناسي المصلحة العامة في هذه الظروف الدقيقة التي تجتازها الأمة من اجل الفوز باغلى امانيها، فنصبوا انفسهم لمناهضة اخوانهم الفائزين ومناصبتهم بالعداء وزرع كل المشاكل في طريقهم رغم بياض صفحة بعضهم وحسن تفكيرهم فارتأوا اول ما ارتأوا الطواف بالاسواق لحمل الناس على توقيع عريضة اعدوها لرفعها الى صاحب السمو الأمير يطالبون فيها باعادة اجراء الانتخابات بعد ان اشتركوا هم فيه وفي الاشراف عليه، ولكن تصدي لهم الشباب الوطني المتحمس فشل حركتهم ونفر الناس منهم اذ لم يوقع على عريضتهم الا بضعة اناس لا قيمة لهم.
وقد اسف الناس ان يتمادى امثال محمد الغانم ويوسف العدساني وامثالهم من الغيارى والمفكرين في التطويح بمكانتهم للوقوف في صف المعارضة جنبا الى جنب مع النفعيين والحاقدين لا لشئ سوى التشفي من اخوانهم الذين فازوا ولم يفوزوا هم بكراسي المجلس، وكان ذلك منتظرا بسبب اتصالهم بالملا صالح وتعاونهم معه بسبب بعض المصالح التجارية وغيرها.
تلك هي اذا طبيعة المعارضة الكويتية نشأت منذ البداية على اساس المنافسات الشخصية عند قوم وعند آخرين بسبب الخوف على مصالحهم ومنافعهم المادية، فتعاهدوا جميعا في الوقوف جنبا الى جنب رغم اختلاف آرائهم وتباين اغراضهم على معاكسة مشاريع المجلس منذ قيامه بغير برنامج ولا لخدمة وطنية، بقصد الهدم والتخريب كما قال سبحانه وتعالى {يخربون بيوتهم بأيديهم}.
وقد تآلب آل أحمد الغانم (محمد الغانم واخوانه) على الضغط على قريبهم ونسيبهم محمد ثنيان الغانم لحمله على الاستقالة من المجلس قبل اول اجتماع له ليفتوا من عزيمة المجلسيين ويثلموا من قوتهم، فانصاع غير مرتاح الى الاستقالة فحل محله بالتسلسل الرجل القوي محمد بن شاهين الغانم بن عم المستقيل، وبذلك عوض المجلسيون ما فقدوه من خسارة في استقالة الحاج محمد الثنيان.
كان الحكم في الكويت الى ما قبيل عهد المجلس التشريعي محصورا في جميع مظاهره واشكاله في يدي الحاكم الفرد الذي يتعلق على كفائته وحسن اختياره لموظفي الحكومة ورجال القصر من الحاشية والتابعين مصير البلد والناس جميعا. أما الواردات فانها كانت تجبى دون ان يخصص منها ولو نصيب يسير للخدمات الضرورية، لا في الصحة ولا في المعارف ولا في العمران أو في أي منفعة عامة اخرى. وكان القضاة وغيرهم يعينون بارادة الحاكم التي يكيفها دائما اقرب المشيرين اليه من رجال الحاشية والمتنفذين، فكان من غير المتوقع ان يشيروا على سموه بانتقاء الرجال الاكفاء المشهود لهم بالنزاهة وطهارة الضمير بل كانوا ينتقون الضعفاء والخائرين للتعاون معهم في كسب الاموال الحرام وتهيئة الوسائل العجيبة لابتزاز الخزينة والتحكم في رقاب الناس وقضاياهم.
ولقد كان الملا صالح رئيس كتاب الأمير بل وزيره الأول صاحب النفوذ الأول والكلمة المسموعة في بلاط الأمير وبالتالي في كافة شئون الامارة ودوائر الحكم فيها. وكان من المتعذر في الكويت ان تنجح اية قضية او يصدر حتى حكم عادل في دوائر القضاء او في سواها ما لم يكن لها سند الملا ومصلحته نصيب. فالقضايا الشرعية والاحكام الجنائية والاتفاقيات والامتيازات والاحتكارات النافعة والضارة تكيف اولا وتهيأ في دار الملا او دائرة اعماله (مكتبه في السوق الداخلي) حتى اذا تم الاتفاق عليها مقدما ودفع الثمن المطلوب سارت في طريق النجاح فائزة بتوقيع الأمير غير حافلة بالاعتراضات والانتقادات العامة.
أما الشئون الخارجية والمكاتبات السياسية فانها تسوى ايضا على يد هذا الرجل وبقلمه ايضا رغم قصوره العلمي وجهله التام بالسياسة، حتى لقد اضطر رئيس كتاب القنصلية البريطانية في الكويت الى الحضور الى دائرة الملا كيما يملي فقط صورة الجواب التي تتطلبه دائرة القنصلية من سمو الحاكم لعجز الملا وحيرته في كتابة في كتابة الجواب المطلوب.
ذلكم هو حقيقة الحال عن نوع الحكم القائم قبيل المجلس التشريعي صورة واضحة من تحكم الحاشية وعبثها واستهتارها بالناس والحقوق، فكيف يتسنى لرجال المجلس معالجة الاحوال وتنظيم شئون الامارة دون ان يستندوا الى قاعدة واضحة ونظام مرسوم.
بدأوا أول ما بدأوا بانتخاب الشيخ عبدالله السالم الصباح ولي العهد للمجلس التشريعي توقع كافة القرارات والرسائل التي تصدر من المجلس باسمه لتكون لها حرمتها المبتغاة بصفته ابرز أعضاء العائلة الحاكمة بعد سمو الأمير، ثم تواصوا على وضع قانون صلاحية مجلس الأمة ورُشح الشيخ يوسف بن عيسى نفسه لوضع القانون المذكور، بينما اوعز الي جماعة الكتلة الوطنية من أعضاء المجلس ان اهيئ مسودة الدستور المطلوب.
وفي جلسة تالية تلا الشيخ يوسف على أعضاء المجلس صورة ما أعده فاذا به يشمل على بعض الآيات القرآنية والاحاديث النبوية والنصائح الاخرى مما لا يتصل والموضوع المطلوب، فشكروا الشيخ يوسف على اجتهاده ولكنهم اعتذروا منه عارضين مسودة القانون الذي اعددته فوافق عليه الجميع، وارتأوا ان يحمله سعادة رئيس المجلس ليطلب من سمو الحاكم التفضل بتوقيعه. ولكن رئيس المجلس رجع اليهم ليلا وهو يقول: "ان الأمير يوافق مبدئيا على القانون ولكنه متردد في توقيعه، لانه يقول لا حاجة الآن الى ذلك والافضل ان تسير البلاد تدريجيا في هذا الشأن".
فكان ذلك صدمة كبيرة للمجلسيين وانصارهم اوشكت ان تنقلب الى ازمة حادة بينهم وبين القصر لا يعلم الا الله ماذا ستكون نتائجها حيث كان المجلسيون في عنفوان حماسهم وتراصصهم للمغامرة في الفوز بالحقوق الدستورية كاملة غير منقوصة. وكان على رأس كل ذلك رئيس المجلس ولي العهد والعديل الأول لحاكم الكويت تشجعهم مكانته المرموقة من العائلة الحاكمة ومقامه لدى الرأي العام. واذكر ان ذلك اليوم كان من الايام الفاصلة في تاريخ الكويت. فقد كان الناس في شبه ذهول ينتظرون ماذا يكون موقف نوابهم وشجاعتهم بعد تلك الصدمة التي كانوا يتوجسون من ورائها الغدر والخديعة من الحاشية التى تآلبت على سمو الأمير تنصحه بعدم التساهل واستخفاف أمر المجلسيين. اما الشباب الوطني فقد توافد ليلا حول بناية المجلس ليتلقى من نوابه التعليمات الاخيرة التي تطوع أفراده للقيام بها من امور الدعاية وتنوير الرأي العام. وجاءتني سيارة الصقر في الساعة الرابعة بعد الغروب ليلا وكانت من ليالي الصيف القصيرة يدعونني النواب الى الحضور عندهم لمهمة لا اعرف ما هي، ولما صعدت الى النواب في قاعة المجلس الذي كان مقره (الكشك البحري من بيت آل صقر) على ساحل البحر، وجدتهم قد انهوا مداولاتهم وتناثروا في غرف المجلس يتحدثون ويطغي على حديثهم روح الحماس والتشدد. وقابلوني جميعا وهم يقولون لي: "اكتب الى الشيخ (الأمير) كتابا قويا فحواه كذا وكذا "، وأردت ان اتملى واتدبر في الأمر لألمس روحية النواب جميعا كيما يكون كتابي معبرا عن رغبة الجميع فلا اعود ثانية للحذف والتعديل ولكني حينما وجدت حتى الشيخ يوسف بن عيسى يؤكد علي بشدة اللهجة، لم اعد بعد ذلك في حاجة الى تأكيد، فرجوتهم ان يتركوني وحدي لأتفرغ الى نفسي في كتابة ما يريدون.
وبعد ساعة وقع الجميع على الكتاب دون ان يتردد منهم او يتريث، ثم حمله سعادة رئيس المجلس ليعرضه بعد ذلك صباح الغد على سمو الأمير واليك نصه:
حضرة صاحب السمو الشيخ أحمد الجابر الصباح دام بقاه
يا صاحب السمو، تقدم اليكم مجلس الأمة التشريعي هذا اليوم بقانون وافق عليه أعضاء المجلس بالاجماع موضحا الصلاحيات الاساسية لمجلس الأمة وقد أحاطنا سمو الشيخ عبدالله السالم بما دار بينكم وبينه اثناء عرض القانون عليكم لتوقيعه الا اننا لمسنا صراحة ان جوابكم لم يكن مقنعا فسموكم تقولون انكم موافقون على القانون ولكنكم تريدون ان يكون العمل به تدريجيا ولذلك لا ترون حاجة الى امضائه في الوقت الحاضر وجوابا على بيانات سموكم نفيدكم ان أعضاء المجلس جميعا لم يرتاحوا ولم يقتنعوا بهذه البيانات الشفهية ففي الظروف التي توليتم بها الحكم قطعتم ايضا على انفسكم ان تجعلوا الحكم بينكم وبين الأمة شورى ومضت الايام ولم تر الأمة تحقيقا لما وعدتم.
الكويت تحريرا في 12 جمادى الأولى 1357هـ تواقيع جميع الأعضاء
أما الشباب الذي كان محتشدا خارج المجلس ينتظر التعليمات ليبثها عن طريق المناشير والكتابة بالحيطان -وهي اعمدة الجرائد المعوضة في الكويت- فقد أُوعز اليه ان يكتب امثال هذه العبارات في طريق سمو الأمير:
(حب الشعب يرفعك الشعب) (اخلص للامة تخلص اليك) (عاش النواب المطالبون بحقوق الوطن) وغير ذلك من العبارات المهذبة.
بيد ان هنالك مع الاسف الشديد من شوه الموضوع، فقد كتبت ايضا كتابات قاسية جارحة ربما كان مصدر بعضها بعض الشباب المتهور، الا انه من الثابت ايضا ان اكثر هذه العبارات الجارحة موعز به من قبل رجال الحاشية والمفسدين وذلك لاستفزاز شعور الأمير وغضبه، فكنا ننصح شبابنا بمحوها حلا.
وفي الصباح عندما اجتمع سعادة الرئيس بسمو الأمير الذي كان قد تسرب اليه فحوى الكتاب المنوى تقديمه بادر سموه الرئيس بقوله: "انه مقتنع بالقانون وليس لديه ثمة اعتراض عليه وطلب فقط استبدال كلمة (نحن أمير الكويت) المصدر بها القانون بكلمة (نحن حاكم الكويت) ثم يوقعه مصححا".
وبعد صلاة العصر حمل الرئيس القانون بصيغته النهائية الى سموه حيث تم التوقيع عليه ورجع سعادته به الى أعضاء المجلس الذين كانوا قد هيأوا النشرات العديدة من القانون لتوزيعها على كافة الناس، فتقاطر الكويتيون يتخاطفونها منهم ويتلوها بعضهم على بعض في الطرق والاسواق في شبه مظاهرات متعددة وقفت اثناءها كافة الاعمال وانقطعت حركة المرور، وأمست الكويت في ذلك اليوم تعج بالافراح وكأنها في احد الاعياد الكبيرة.
واليك نص القانون المذكور :
بسم الله الرحمن الرحيم
نحن حاكم الكويت
بناء على ما قرره مجلس الأمة التشريعي صادقنا على هذا القانون في صلاحية المجلس التشريعي وأمرنا بوضعه موضع التنفيذ:
المادة الأولى - الأمة مصدر السلطات ممثلة في هيئة نوابها المنتخبين.
المادة الثانيـة - على المجلس التشريعي ان يشرع القوانين الآتية:
1- قانون الميزانيــــة - "أي تنظيم جميع واردات البلاد ومصروفاتها وتوجيهها بصورة عادلة الا ما كان من املاك (الصباح) الخاصة فليس للمجلس حق التدخل فيه"
2- قانون القضــــــاء - "والمراد به الاحكام الشرعية والعرفية بحيث يهيئ لها نظاما يكفل تحقيق العدالة 3- قانون الامن العـام - "والمراد به صيانة الامن داخل البلاد وخارجها الى اقصى الحدود"
4- قانون المعـــــارف - "والمراد به سن قانون للمعارف تنهج فيه نهج البلاد الراقية"
5- قانون الصحـــــــة - "والمراد به سن قانون صحي يقي البلاد واهاليها اخطار الأمراض والاوبئة ايا كان نوعها"
6- قانون العمــــــران - "وهو يشمل تعبيد الطرق خارج البلاد داخلا وخارجا"
7- قانون الطـــــوارئ - "والمراد به سن قانون في البلاد لحدوث أمر مفاجئ يخول السلطة حق تنفيذ الاحكام المقتضية لصيانة الامن في البلاد" 8- كل قانون آخر تقتضي مصلحة البلاد تشريعه.
المادة الثالثــة - مجلس الأمة التشريعي مرجع لجميع المعاهدات والامتيازات الداخلية والخارجية وكل أمر يستجد من هذا القبيل لا يعتبر شرعيا الا بموافقة المجلس واشرافه عليه.
المادة الرابعـة المادة الخامسة - رئيس مجلس الأمة التشريعي هو الذي يمثل السلطة التنفيذية في البلاد.
تحرر يوم الجمعة الحادي عشر من جمادي الأولى عام الف وثلاثمائة وسبعة وخمسين هجرية الموافق الثاني
من جولاي عام الف وتسمعائة وثمانية وثلاثين ميلادي
حاكم الكويت
أحمد الجابر الصباح
بعد هذا النصر الحاسم لم يتجاسر احد على الوقوف في طريق المجلسيين فقد انكمشت الوجوه الصفيقة وخرست الالسنة الناعقة بالفساد، وخشى على كرامته من كانت له كرامة، ولو ان بعض المعارضين مال على بعض يتعاهدون سرا ويبيتون دسائسهم ليوم تتوافر فيه عناصر الكيد وتسنح اسباب التشفي والانتقام. اما الوطنيون فانهم ساروا شوطا قصيا في طريق الاصلاح الشامل مواصلين الليل بالنهار حتى اتموا في خمسة شهور قصيرة ما لا يمكن اتمامه في سنين. وقد وزعوا انفسهم على انجاز المهام المطلوبة والاشراف على سير الاعمال والمصالح العامة على طريقة لجان اختصاصية. فلجنة للشئون السياسية واخرى للمالية وثالثة للعمران ورابعة للمعارف وغير ذلك من اللجان التي تتطلبها حاجة الكويت وتشكيلاتها الجديدة. وجعل للمجلس مجتمعا الكلمة الاخيرة والقول الفصل في المصادقة على قرارات اللجان. ومن الاصلاحات الكثيرة التي انجزها المجلسيون في الدورة الأولى:
فصل الموظفين المرتشين وعديمي الكفاءة من تراث العهد الخامل واحلال الشباب النزيه بدلا منهم، كما التفتوا الى القضاء والمحاكم فاصلحوا من انظمتها وقننوا مجلة الاحكام الشرعية لتكون وحدها مصدرا لكافة الاحكام الشرعية ليس للقاضي ان يتأول فيها ويجتهد الآراء والفتاوى المتناقضة طبقا لميوله والمؤثرات الخاصة تلك التي ضج الكويتيون منها في عهد بعض القضاة المنحرفين، وعينوا الوجيه (مرزوق البدر) مستشارا عرفيا ومعاونا لحاكم المحكمة العامة. ثم عطفوا على المعارف فوسعوا نطاقها واضافوا الى ايرادها نصف واردات مصلحة النقل والتنزيل التي امموها والتي يعلم الكويتيون كيف طبخ امتيازها في مكتب الملا صالح قبل عهد المجلس لنفر قليل من الذين عرفوا استغلال الظروف بعد ان كانت اسهمها جميعا قد اكتتب بها كافة الراغبون من الكويتيين فاحتكروا لانفسهم جميع اسهمها واعادوا للكويتيين المكتتبين اوراق المساهمة وكانت تدر عليهم وحدهم من الارباح ما ليس يحصى.
الغاء الاحتكارات الضارة
لم تعرف الكويت حتى اول عهد المرحوم الشيخ أحمد الجابر الصباح اي نوع من انواع الاحتكارات او الامتيازات التي تحد من حركات التجارة او تقيد مزاولة اي عمل حر. ولكن بعض المرتزقة من اصحاب النفوذ زينوا لأولياء الامور في منتصف عهد المرحوم الشيخ أحمد فتح هذا الباب الموصد غير المعروف على غير اساس صالح، سعيا وراء الحصول على اتاوات سرية توازي عادة حصة الحكومة الرسمية او تزيد، وذلك لقاء ما يبذلونه من معاونة للمحتكرين واصحاب الامتياز وتمكينهم من الفوز بالاحتكارات المتنوعة باثمان وشروط زهيدة تتعارض اصلا ومصلحة الكويتيين.
وكانت اول هذه المحاولات المضرة منح احتكار (صنع مشروب النامليت) لصاحب معمل اجنبي لقاء رسم زهيد يدفعه للحكومة سنويا، الأمر الذي جعل لصاحب الامتياز وحده حق التحكم في الاسعار والاستخفاف بجودة النوع ونظافته، ولكن المجلس التشريعي عندما درس ظروف الحصول على هذا الامتياز قرر بتاريخ 5 رجب 1357 الغاء الامتياز وتنازل عن رسم الحكومة فترك بذلك الباب مفتوحا للمتنافسين والمتزاحمين ترقية لنوع اصناف المشروبات وتطمينا لصالح المستهلكين.
اما الاحتكار الثاني وهو احتكار (المصارين) ولعله من اعجب واغرب انواع الاحتكارات اذ تنص اتفاقيته المعقودة مع السلطة على الزام كافة الجزارين وبائعي المصران بيع كافة ما لديهم منها لمشتر واحد هو صاحب الاحتكار، مهما شح معهم او تحكم في زهد الثمن.. ويكفي معرفة مقدار الغبن النازل بهؤلاء من اضطرارهم بيع كل مصير واحد بآنه واحده او نصف آنه (الآنه الهندية تساوي تقريبا او تقل عن الخمسة فلوس) بينما يبيع المحتكر نفسه على مقاول آخر معه في ارض الكويت بما يترواح بين الاثني عشر والثمانية عشر ضعفا.. فكان لزاما على رجال العهد النيابي انصاف هؤلاء الجزارين الوطنيين الفقراء من تحكم هذا الرجل الغريب ايضا والغاء هذه الاتفاقية المجحفة التي اقر صاحبها انه فاز بها لقاء المخصصات المعروفة، وترك الناس احرارا يبيعون اشياءهم كيفما شاؤوا.
وهناك بعض الامتيازات الاخرى التي فاز بها بعض الكويتيين كاحتكار صنع الثلج لقاء مبلغ سنوي للحكومة وتصدير الرمل خارج الكويت، وقد عرض احد اصحابها محمد الغانم وهو من رجال المعارضة استعداده لالغائهما متى وجد المجلس ان فيهما اي حيف على احد، غير ان المجلس لم ير فيهما شيئا من ذلك فابقاهما.
اما قضية الاحتكار الذي منح لاصحاب (شركة النقل والتنزيل) الاربعة في احوال مريبة فلها قصة يطول شرحها ولكنا نلخصها فيما يأتي كانت مهمة النقل والتنزيل للبضائع الواردة بالبواخر عملا مشاعا يحترفه كثير من اصحاب السفن الشراعية المسترزقين، فلما تم التوقيع على امتياز شركة زيت الكويت المحدودة اشير على سمو الأمير ان يمنح مهمة النقل والتنزيل الى شركة قوية منظمة ذات رأس مال كبير يكون في امكانها بالاضافة الى نقل وتنزيل البضائع التجارية التعهد الى شركة الزيت بنقل وتنزيل كافة معدات الشركة ايا كان حجمها وثقلها بسفن ووسائط مأمونة وافية بالمرام، فعرض سموه حقوق هذا الاحتكار (النقل والتنزيل) على الكويتيين جميعا ليؤلفوا شركة واحدة يساهمون فيها كل حسب رغبته وعرضت اسهم هذه الشركة للبيع على الكويتيين وحدهم فاكتتبوا بجميع اسهمها البالغ قيمتها مائة الف ربية (سبعة آلاف دينار ونصف)، بل زاد اقبالهم على الاكتتاب بما يزيد على الضعفين، وانتدبوا عنهم بعض كبار الاغنياء المساهيم لمفاوضة سموه على وضع شروط الاحتكار وتعيين رسم الحكومة. بيد ان بعض الانانيين من الذين اوكل اليهم التفاوض مع السلطة على شروط الامتياز لما تبينوا سهولة تكاليف هذه الشركة وعظم الارباح المتوخاة منها اتفقوا مع طباخي الصفقات الاحتكارية المعلومين وانهوا سرا اتفاقهم مع الملا صالح النافذ الأول المعروف ليسهل لهم شروط الامتياز ويضمن لهم وحدهم امكانية الفوز فيه، ثم انذروا بقية المساهمين بفسخ ارتباطهم وارجعوا عليهم اوراق الاكتتاب بالاسهم قائلين انهم يتركون من شاء كيف شاء ليتقدم ويأخذ الامتياز.
فكانت لعبة سافرة تبرأ منها من المساهمة فيها كل من الشيخ يوسف بن عيسى والحاج محمد ثنيان الغانم وغيرهم وكانوا من اكبر المنتدبين ترفعا منهم عن القبول بمخادعة الناس، ولقد احتمل الكويتيون هذه الضربة البليغة على مضض وبقيت مدى الايام تحز في نفوسهم، ولكن كل من عرف حالة الكويت والكويتيين ذلك الوقت ادرك انهم سكتوا مضطرين ورضخوا للأمر الواقع مغلوبين على أمرهم.
ولقد فاز الابطال الاربعة وهم خالد الزيد الخالد، عبدالرحمن محمد البحر، عبدالمحسن الناصر الخرافي، اما اصحاب الشركة المنحلة فقد اعيد اليهم جميع اثمان ممتلكاتها ومنشئاتها التي كانت جميعا من صافي الارباح، وصدر قرار المجلس بحرق اوراق الاتفاقية لقطع دابر كل اخذ ورد في هذا الأمر.
في المعارف
سارت المعارف في عهدها الحديث بعد تولي الاساتذة الفلسطينيين امور التدريس سيرا حثيثا اثنى عليه الجميع، ولكن كاد شيطان الجهل حرماننا من كفائة ونشاط بعض هؤلاء المدرسين الغيورين، اذ كانت النية مبيتة على ابعاد هؤلاء، بيد ان نزوغ العهد النيابي درأ عن المعارف تلك الدسيسة الذميمة.
وطرح الأعضاء التشريعيون أمر المعارف على بساط البحث في قاعة المجلس التشريعي فاجمعوا على وجوب توسيع نطاقها والسير بها الى اوج التقدم والنهوض، فقرروا زيادة جلب المدرسين الفلسطينيين الذين برهنوا على دماثة اخلاقهم وحسن سلوكهم ومتانة مبادئهم، فضلا عما يبذلونه من جهد كبير للاصلاح الشامل الصحيح، فازداد بذلك عدد المعلمين الفلسطينيين من اربعة الى ثمانية، وتقرر جلب مدرستين فاضلتين من فلسطين لفتح الصفوف الابتدائية لتعليم الفتيات الكويتيات، فكان ذلك من اجمل مآثر العهد النيابي الميمون، اذ تسنى للفتاة الكويتية لاول مرة ان تشق طريقها الأول الى معرفة الحياة الصحيحة مزودة بفضائل المعرفة والعلم.
كما قرر المجلس التشريعي وجوب ارسال بعثات الى خارج الكويت، فخاطب في ذلك وزارة المعارف العراقية في بغداد ثم مشيخة الازهر بالقاهرة، وتم بعد ذلك قبول خمسة تلاميذ يحملون شهادة الابتدائية الكويتية وتم لهم الانخراط فعلا في سلك طلاب مدرسة المعلمين الريفيين في بغداد، واما مشيخة الازهر فقد قبلت اربعة من الطلاب الكويتيين يدرسون في جامعتها وعلى نفقتها الخاصة.
ولقد ارصد المجلس التشريعي نصف واردات مصلحة النقل والتنزيل المؤممة لحساب دائرة المعارف اذ كان العزم معقودا على زيادة التوسع في نطاقها وترسيخ عمادها حيث كان رجال العهد المسؤولين يرون في هذه المؤسسة مثوى الاماني ورمز الآمال الكبار.
مزيد من الاصلاحات
هذا ولقد دفع رجال المجلس عجلة الاصلاح في الكويت الى جميع المجالات، في دوائر القضاء والامن العام والمالية والجمارك والعمران. ولقد شرحنا كل ذلك عام 1947م بعنوان (نصف عام للحكم النيابي في الكويت) فمن اراد زيادة الاطلاع فليرجع الى رسالتنا تلك.
الماليـــــــة
لم تكن هنالك قبل قيام المجلس التشريعي مالية مستقلة للدولة تنفق على وجوه الاصلاح والخدمات العامة، بيد انه عندما تأسس المجلس التشريعي فاز اعضاؤه من سمو الحاكم بتلك الصلاحية التي تنص المادة الثانية فيها على تخويل المجلس التشريعي حق الاشراف على تنظيم الميزانية العامة وصرفها وفقا لاغراض البلد ومنافعه.
منذ ذلك الحين حدث اكبر انقلاب في تاريخ الكويت، اذ اصبحت للامة مالية مستقلة عن مالية الحاكم تستعمل لمعالجة شئون الاصلاح وتجديد دواوين الحكومة وفقا لما يتطلبه المنهاج المطلوب من التقدم والرقي.
وكان بديهيا ان الاصلاح المطلوب احداثه في شئون الامارة يتطلب ميزانية واسعة واموالا كثيرة قد لا تجود بها موارد الخزينة المحدودة، لا سيما اذا كان معروفا ان الاوضاع والبنايات الحكومية في الكويت بقيت على ما هي عليه دون توسع ولا تجديد منذ عهدها السحيق الأول، فاصبح من الضروروي تجديدها على نسق مقبل يتناسب وذهنية العصر مع ما طرأ على البلاد من تقدم وتوسع في جميع المجالات.
اضف الى ذلك ان الكويت لا تتحمل وضع ضرائب جدبدة او زيادة الضريبة الجمركية القديمة بالنظر الى وضعها الجغرافي الخاص الذي مكنها من الصمود لسهولة تعريفتها الجمركية وخلوها من كافة الضرائب الاخرى المعروفة في البلدان المجاورة، فاذا ما مس هذا الركن الاصيل من يسرها وسهولة التعامل فيها دون قيد ولا شرط بارت تجارتها وهجرها اهلوها.
فعالج المجلسيون الوضع اولا بانشاء (دائرة المالية) للاشراف الدقيق على تنظيم جباية الضرائب والواردات وطرق صرفها كيلا يتمكن المتلاعبون والمرتشون من بعثرتها واللعب فيها، وانيطت رئاسة (دائرة المالية) باحد اعيان الكويت المشهود لهم بالنزاهة وحسن التدبير وهو السيد مشعان الخضير آل خالد والذين عرفوا هذا الرجل من اصدقائه او خصومه يدركون جيدا ان المالية في الكويت فازت بخير الرجال واحرصهم على تنمية مال الخزينة العامة والاقتصاد والتدبير في صرفه ما امكن الحال.
وذلك وقد كانت ميزانية الامارة في عهد المجلس التشريعي هكذا على وجه التقريب:
الواردات العامة لسنة كاملة:
|
الواردات |
بالدينار |
|
واردات الجمارك |
11250 |
|
الرسوم المستحصلة من تصدير الرمل والصلبوخ الى عبادان |
7500 |
|
بدل احتكار تصدير الرمل الى العراق |
300 |
|
بدل امتياز شركات "الضياء" و "الثلج" و "السيارات الكويتية العراقية" |
500/337 |
|
زكاة البر والوارد من الجوازات والمحاكم وبقية رسوم صغيرة اخرى |
500/337 |
|
المجموع (تقريبا) |
19725 |
يقابل ذلك مصروفات ثابتة لسنة كاملة (بالدينار)
|
رواتب أفراد العائلة الحاكمة وتابعيهم (تقريبا) |
15000 |
|
رواتب جميع موظفي الادارة |
3000 |
|
المجموع |
18000 |
فيكون المتبقي من الواردات لاعمال الاصلاح والعمران وتشييد وفتح الدوائر الجديدة المقتضية والمصاريف الحكومية الطارئة حوالي الف وسبعمائة دينار لمدة سنة كاملة فقط.
وهناك خمسة وتسعين الف ربية (اي سبعة آلاف ومائة وخمسة وعشرين دينارا) حصة الحكومة السنوية من امتياز شركة نفط الكويت لم يتم استلامها.
تلك هي المشكلة التي كان على أعضاء المجلس التشريعي معالجتها بحكمة ونزاهة دون اللجوء الى فرض الضرائب او الحد من اعمال الاصلاح الضروري التي حرمت منه البلاد فترة طويلة والتي يتلهف الكويتيون جميعا على سرعة انجازها دون اللجوء الى فرض الضرائب.
بدأوا اول ما بدأوا بحرمان انفسهم من تعيين اي راتب لقاء قيامهم باعمال النيابة رأفة منهم بحال الميزانية الضعيفة باستثناء ثلاثة أعضاء منهم كانوا يتقاضون رواتب شهرية لا بصفتهم النيابية وانما لقيامهم بمهام اضافية انيطت بهم خارج نطاق اعمال المجلس.
وقد استنوا في اعمال الاصلاح خطة في غاية الحكمة والاقتصاد وحسن التدبير مع الهمة الزائدة والنشاط المتواصل، واذا تذكر العارفون ما انجز من اعمال كبيرة وتشييد بنايات عديدة وافتتاح ما لا يقل عن عشرة دوائر حكومية جديدة كدائرة المالية ودائرة الشرطة ودائرة الامن والقضاء والجوازات.. الخ، خلال خمسة شهور وبضعة ايام لم يتيسر لهم فيها الحصول على كثير من الواردات الرئيسية من ابواب الميزانية ادركوا اي عمل رائع وجهد كبير كانوا قد انجزوه.
فمن النائب الكبير حتى الموظف الصغير في العهد النيابي كان العمل يجري بهدوء ونشاط وغيرة لانجاز المشاريع المطلوبة بالسرعة اللازمة وبأتفه وأيسر ما يكون من النفقات والاموال، ذلك ان الكل كان يدرك ان المال مال الأمة منها يستمد واليها يؤول، فليتواصوا اذا جميعا على الرفق به والتدبير في صرفه كما يتواصون على اموالهم الخاصة ونعم اجر العاملين.
المعاكسات والمعاكسون
تولدت بطبيعة الحال منذ قيام المجلس التشريعي في الكويت وسيره على سنن جديدة بايد وآراء جديدة راغبة في العمل منصرفة الى خدمة الوطن بشجاعة منتجة وتجرد من الشهوات والاغراض عدة معاكسات مبعث بعضها الحذر على المصالح القومية عند بعض وعند قوم آخرين الحقد والحسد لعدم نجاحهم في الانتخابات.
وقد اجتمع هؤلاء وهؤلاء جماعة اطلقوا على انفسهم اسم المعارضين وما كانوا من المعارضين المخلصين الصادقين، فقد اختلفت بين فئاتهم المذاهب وتنافرت الاهداف إلا في أمر واحد هو العمل لخلق الشكوك وبث العراقيل لمجرد الهدم والتخريب مهما آلت النتيجة وساء المصير. وفي طليعة هؤلاء جماعة الحاشية وأذناب السلطة وعلى رأس كل ذلك (ملا صالح الملا) الكاتب والوزير الأول الذي تحسرت عنه اسباب النفوذ وتقلصت مراسم السلطة وانقطع عنه دابر الرزق المشين، فحاول المستحيل للحيلولة دون تأسيس او نجاح المجلس النيابي، فلما باءت معاكساته بالفشل انتصب من جديد لبث الدسائس واثارة النعرات القبلية والعنصرية لبلبلة المجلسيين واثارة المشاكل في وجوههم. ولقد كان المجلسيون من قوة الشكيمة وحكمة التجاريب القاسية اصلب من ان تفلهم هذه المناورات الزائفة، واستغلوا من جهل صاحبها وتخبطه في الاكاذيب والدسائس فرصة ضربوه منها في الصميم، حتى جاء اليوم الذي بات فيه الرجل يتمرغ على اعتاب المسئوولين ليشفعوا له برضاء المجلسيين، ثم اذا به اخيرا يلوذ بالهرب من الكويت ليلا لينجوا بنفسه من سخط الشعب وسورة غضبه الرهيب، واليك القصة بالتفصيل:
هروب الملا صالح الملا من الكويت
بعد صدور القانون الأول في صلاحية (مجلس الأمة التشريعي) تفاهم اعضاؤه مع سمو الأمير على استلام كافة المصالح والدوائر التي كان يهيمن على اداراتها والاشراف عليها الجهلة واللصوص من حواشي العهد القديم -تنفيذا للقانون المذكور- وقد ارتأى هؤلاء ضرورة انشاء دوائر لحفظ الامن داخل مدينة الكويت وخارجها في البادية. ولما كان يعوز أفراد هذه المديرية السلاح اللازم وهو مخزون في الاقبية المهملة عرضة للتلف والسرقات المتعددة المشهورة من قبل المؤتمنين عليه انفسهم فاوض المجلسيون أميرهم لاستلام صناديق السلاح المودعة عند الملا صالح او بعضها. ولما كان الملا يدرك ما سيكتشف نتيجة تسليم السلاح من فضيحة في هذا الأمر بسبب السرقات المتعددة اتخذ من هذا الطلب المشروع وسيلة للتشويش حول نوايا المجلسيين ومقاصدهم، مما كان صداه حتى في آذان القنصلية البريطانية في الكويت، فاجتمع القنصل اثر ذلك بسعادة رئيس المجلس وبلغه ان أمر السلاح يهم الحكومة الانكليزية وانها لا ترتاح ان يبقى خارج قبضة حاكم الكويت الفعلية ما لم يوافق المقيم البريطاني في الخليج على ذلك.. ولهذا فانه يود من رئيس المجلس ان يطمئنه في ذلك باعادة السلاح الى مقره الاصلي، فرد عليه رئيس المجلس بمباحثة الأعضاء غدا واقناعهم بالأمر. وقد بعث القنصل ديكوري بعد ذلك رسالة الى سمو أمير الكويت هذه ترجمتها الرسمية
(حرصنا على نقل هذه الترجمة الرسمية كما وردت بحروفها رغم الاخطاء اللغوية وغيرها):(بخصوص العلائق الخارجية فمن المؤكد لم يجر اي تغيير ولا عندي شك ان سموكم قد رتبتم على ان لا يجري شئ يمس بالعلائق المذكورة من قبل اي احد في "المملكة" الا بموافقة سموكم التامة وان سموكم توافقون ان جميع علائق سموكم الخارجية تكون بواسطة صاحب الجلالة ولكني سأكون مسرورا بأن تؤكدون لي ان الامتيازات والضمانات الاجنبية لا تعتبر بدون موافقة سموكم من قبل اي احد في المملكة ولا يوافق عليها نهائيا ويمضيها الا سموكم وان العلائق مع اصحاب الامتيازات والضمانات الاجنبية تبقى وستكون باقية كما في الماضي مع سموكم وبموجب المقاولات. ولا شك انه لم يجر تغييرا في امور الدفاع ولا شك من ان المواد الدفاعية وسلاحكم معا سموكم قد استحصلتوه بواسطة حكومة صاحب الجلالة ومع ما قد ستحصلونه منها في المستقبل يبقى تحت قبضتكم او بقبضة احد منتخب من قبلكم وليس بقبضة اي احد لاي سبب ما لم يوافق عليه فخامة رئيس الخليج "اهـ")
.وقد بعث القنصل هذه الرسالة الى مكتب الملا جريا وراء العادة المتبعة سابقا لترفع الى سمو الأمير وبطبيعة الحال فقد سر الملا بهذه الرسالة سرورا كبيرا وخيل اليه ان مكائده قد اثمرت سريعا فلم يتمالك نفسه من فضــــح سرية تلك الرسالة الرسمية وجعل يطنطن في مجلس بها عند جلسائه ومخالطيه ويدلل بها على اندحار المجلسيين وخيبتهم فراجت الشائعات الكثيرة وتقولت في المجلسيين الظنون، وقد حصل في الكويت هرج ومرج سبب جزع المخلصين واستياءهم اذ تبينوا ان مصدر تلك الشائعات وباعثها الأول هو الملا صالح فحنق عليه الناس عموما وقد بيتها له شبابهم. فبينما كان المجلس منعقدا في صباح اليوم التالي وسعادة رئيس المجلس ينتظر من الأعضاء اعطاءه الجواب النهائي عن قضية السلاح لينقله الى القنصل الذي كان معه على موعد في مجلس الأمير ارتفع بغتة الضجيج المتعالي واقبل الشباب المتحمس في شكل مظاهرة امام بناية المجلس هاتفين بحياة سمو الأمير وأعضاء المجلس ومنادين بسقوط الخونة واللئام مطالبين بمقاصصتهم واخذهم بالشدة والحزم المطلوب.
وكانت هذه الظاهرة مفاجئة من الشباب لم يعرف خبرها المجلسيون ولا رئيسهم فقام سعادته وأطل عليهم مهدئا خواطرهم راجيا منهم العودة بالهدوء والسكينة، فانصرفوا بعد ان هتفوا بحياة المجلس التشريعي ورئيسه.
ولقد حانت الفرصة للمجلسيين الذين كانوا في حيرة من أمرهم حتى ذلك الوقت لأن الموافقة على رد السلاح واعادته الى مخازن الملا صالح بهذه الصورة الجبرية على ملأ من الناس فيه خذلان كبير لسمعة المجلس ونصر للملا، كما ان عدم الموافقة على طلب القنصل أمر لا يريد المجلسيون ان يتورطوا فيه فيتعرضوا بذلك الى شكوك الانكليز وسخطهم وهو في اول مرحلة من مراحل الطريق الشاق الطويل للاصلاح الداخلي، خاصة وقد علق بفضل اشاعات الملا وترويجاته في ذهن القنصل ما علق فما العمل اذا؟
تلك كانت حالة المجلس ابان هذه الازمة الطارئة، فلما جاءت مظاهرة الشباب وتعالي سخطهم اوحت الى بعضهم بخاطر سريع اسر به الى السيد علي السيد سليمان الرفاعي سرعان ما تقبله وعرضه همسا على الأعضاء الآخرين وهم يتداولون في خلوتهم دون الرئيس الذي كان جالسا وحده مستندا على كرسي الرئاسة في القاعة الرسمية ينتظر ويستعجل الرد.
تقاطر المجلسيون عندئذ الى القاعة الرسمية والتفوا حول الرئيس على المائدة البيضاوية الشكل وتكلم السيد علي مخاطبا الرئيس بالنيابة عن باقي الأعضاء -باستثناء الشيخ يوسف بن عيسى القناعي الذي كان رأيه التسليم والموافقة على طلب القنصل البريطاني دون اي تردد- قائلا:
"اننا نطالب اولا باقصاء الملا صالح من وظيفته (سكرتارية حاكم الكويت) وهي الوظيفة التي يتحصن فيها الملا ويستغلها على الدوام لعرقلة اعمال الاصلاح واثارة الاوهام والشكوك واحداث القلاقل والفتن وبلبلة الخواطر متخذا من هذا المنصب درعا يقيه القصاص والمحاسبة، وبعد ان يتنحى الملا عن منصبه نتفاهم واياكم في أمر السلاح ولن نختلف معكم في شئ".
ضربة بضربة ولكن اي الضربيتين اقسى واحكم؟ ذلك ما لا يخفى علمه على الفطن اللبيب. اذا كان الملا قد نصب نفسه حتى الآن عدوا للمجلس يثير حول نيات اعضائه الشكوك ويضع العراقيل فهيهات ان تصفو بينهم وبين سمو الحاكم بل وكافة أفراد العائلة الحاكمة العلائق الودية المطلوبة، واذا كان الملا صالح يبيح لنفسه كشف المكاتبات الرسمية السرية للنكاية بالمجلسيين والتشهير بهم فليس هو بالرجل الصالح للبقاء قي هذا المنصب الخطير من بلاط الأمير. اذاً فان فصله عن وظيفته واقصائه عن الاعمال الرسمية مدعاة للطمأنينة وتهدئة للنفوس.
ذلك هو المنطق السوي الذي ركب حجة المجلسيون وقذفوه في وجه الرئيس سهما بسهم، انهوا لنا قضية الملا ونحوه عن طريقنا معكم نتفاهم واياكم بعد على جميع ما تحبون وتشتهون..
حاول الرئيس ان يجادل في قضية الملا وان يفرق بينها وبين قضية السلاح للحصول منهم على جواب مقنع يرضى به القنصل، ولكن الأعضاء اصروا على رأيهم وتمسكوا به (لولا الملا صالح وترويجاته الكاذبة لما اعترض احد على حيازة المجلس للسلاح والتشكك في أمره، ولولا الملا صالح لما اتصل في علم الناس حقيقة الرسالة السرية ولكان من السهل عليهم التفاهم بهدوء مع القنصل على اعتماد رجل مختار يثق به سمو الأمير لتسليمه مواد الاسلحة دون ما تفريط بكرامة المجلس واثارة الخواطر). هذا هو الرأي الاخير عند المجلسيين وليس عندهم رأي سواه.
نهض الرئيس يائسا او حائرا فقد كان في طلبه رسول الأمير يدعوه الى موافاته في مجلسه الرسمي لمقابلة القنصل وهو لا يدري كيف يتصرف في الجواب مع حضرته.
- "ماذا صنعتم سعادتكم مع المجلس لاعادة السلاح؟"
- "ان المجلس مستاء يا سعادة القنصل من الملا صالح لانه ينسب اليه جميع الاسباب في اثارة هذه القضية وزرعها في طريقهم لتشويش الاذهان وبلبلة الخواطر، ولذلك فانهم طلبوا مني اقناع الأمير اولا في وجوب تنحية الملا صالح عن قصر الأمير حتى لا تتأثر علائقهم الطيبة مع سموه الى مثل هذه الريب والاكدار، ثم هم بعد ذلك لا يختلفون مع سعادتكم في التفاهم على أمر السلاح بكل طريقة مرضية".
استاء الأمير من هذا الطلب المفاجئ واعاد الرئيس ليعاود المجلسيين رأيهم في هذا الأمر قائلا انه يعدهم بانه سيوقف الملا عند حده ويكفه عن كل ما من شأنه تكدير المجلسيين او الاثارة ضدهم، ولكن المجلسيين قالوا انه لا فائدة من ذلك وانهم لا يحسبون للملا في شخصه اي حساب بيد انه ما دام هذا الرجل الدساس قابعا في القصر ملتصقا بسمو الأمير ومتصلا بمجرى الحوادث الرسمية فهو لا ينسى ابدا حقده على رجال المجلس وسيعمل جهده سرا لاثارة صدر الأمير عليهم في كل فرصة مناسبة كلما رغب هؤلاء بأمر او هموا بمسعى مفيد. واذا فان في اقصائه راحة للبلاد والعباد.
رجع الرئيس يحمل النهائي الى سمو الأمير فما فك معضلة ولا حل مشكلا.
تعصب الأمير ببقاء الملا لانه كان المستشار الوحيد في كافة الشئون، والرجل قد خدم في هذه الوظيفة ما يقارب من ربع قرن كامل فتولد في ذهن سموه استحالة ادارة الشئون العامة من غير الرجوع الى رأي الملا واستشارته، خاصة وان الملا قد احاط اعماله واساليبه من الطلاسم والرموز في مكاتباته واساليبه مما لا يتكهنها المتكهنون. اضف الى هذا ان الملا عندما ادرك قوة اصرار المجلسيين على فصله اسرع الى الأمير وطرح نفسه على قدميه باكيا ومستغيثا بسموه ان يقدر له تلك السنين الطويلة في خدمة آبائه واجداده، فاستدر بذلك عطف الأمير ووعد بالدفاع عنه.
ولكن المجلسيين مصرون على رأيهم في اقصاء الملا خصوصا وقد عرضوا كرامتهم في ذلك على ملأ من الناس، فان فشلوا فستفشل كل جهودهم المقبلة في تقويض اركان الفساد والطغيان، وستزداد قيمة الملا واهميتة في عيون انصاره ومريديه من الذين كانوا يرون في الملا داهية الدواهي في السياسة وتصريف الامور مهما عصفت الرياح واكفهرت الانواء . اذا ليس لهم الا طريق الصمود والاصرار. فصمدوا على مطلبهم واصروا على وجوب قلع الملا. اما القنصل البريطاني فانه رجا الجميع امهاله الى يوم الاثنين القادم ليجتمع الجميع عندهم في دار القنصلية بحجة احلال روح التفاهم بين الطرفين، ولعله اراد بذلك ان يستوحي برقيا رأي المقيم البريطاني الذي مقره ميناء ابوشهر من ساحل ايران على الخايج، ليستنير برأيه ويعمل بأوامره. ولما حان الاجل الموعود اجتمع سمو الأمير وسعادة رئيس المجلس واعضائه في دار القنصلية البريطانية. ولما حاول القنصل التوصل الى تفاهم بين سموه وأعضاء المجلس قال الأعضاء انه ليس من سبب يدعوهم الى التشبت بفصل الملا صالح وتنحيته عن مركزه الملتصق بسمو الأمير الا رغبتهم في تقوية اواصر التفاهم بينهم وبين سموه وان لا تحول دسائس واحقاد رجل اشتهر بكيده لرجال الاصلاح طول عمره عن التعاون بين أعضاء المجلس وأميرهم لخدمة الكويت والكويتيين خدمة سداها الاصلاح ولحمتها التجرد من الاغراض.
وبعد حوار طويل في هذا تبين ان القنصل لا يعنيه بقاء او عدم بقاء الملا صالح في وظيفته وانما الذي يهمه مسألة السلاح. فاستفهم من أعضاء المجلس عن رغائبهم من تشكيل القوة المسلحة بينما ان أمر الدفاع عن الكويت منوط بالحكومة البريطانية، ولذلك فانه يهمه الوقوف على قصد المجلسيين من تأسيس هذه القوة وما هو عدد اعضائها وكيفية تدريبهم؟ فوضح له الأعضاء ان الأمر لا يخرج عن تأسيس دائرة لحفظ الامن الداخلي في المدينة وخارج المدينة بين البادية، وليس كما اشاعوا عن تأسيس قوة للدفاع الخارجي عن الكويت، الأمر الذي لم يفكروا فيه خاصة وان ميزانية الامارة لا يمكن ان تتحمله. فاطمأن القنصل من هذا الجواب واتفق على ان يكون الشيخ عبدالله السالم الصباح ولي العهد ورئيس مجلس الأمة التشريعي هو المشرف الرئيسي على حرز السلاح، وعهد الى صالح عثمان الراشد احد اصدقاء المجلس ان يكون الرئيس المباشر لقوة البادية. وخرج الجميع بهذه النتيجة الحسنة وان لم يكن قد بت نهائيا في أمر الملا. وقد خرج الأمير من الاجتماع دون ان يتفوه بموافقته على فصل الملا، فذهب اليه بعد ذلك الحاج محمد الثنيان الغانم بصفته احد وجهاء الكويت البارزين ليحاوله في قبول وجهة نظر المجلسيين، غير ان الأمير اقنعه بالرجوع اليهم لاقناعهم بالابقاء على الملا صالح في وظيفته الحالية فان لم يقتنعوا فان سموه يتنازل عن الحكم!
بهت المجلسيون لهذه المفاجئة الخطيرة يدلي بها الأمير من اجل الملا، ولكنهم ما لبثوا ان تمالكوا روعهم، فتكلم مشعان الخضير قائلا: "لقد جعل الأمير حفظه الله عموم الكويتيين في كفة والملا صالح المتلبس الدجال في كفة اخرى فرجحت لديه كفة الملا على الجميع. لماذا كل هذه الحمية من اجل الملا وحده؟ الا انه قضى عمره في خداعكم آل الصباح وتلاعبه في شئونكم وشئون رعاياكم حتى اهلك الحرث والنسل؟!".
وقال سليمان العدساني: "ابدا نحن لا يمكننا قبول تنازل أميرنا عن الحكم ولن نقر لنا حاكم سواه، اما قضية الملا فلا سبيل الى اعادة النظر فيها".
وقال ثالث: "من المؤسف ان يعرض الأمير بمنصبه السامي من اجل شخص كالملا بعد ان تكشفت للملأ سرقاته المالية المتعددة
وفضائحه التي لا نظير لها، اننا نعز سمو الأمير ونكرمه عن مثل ذلك ولا نقبل ان نسمع منه مثل هذا الرأي".فرجع محمد الثنيان بعد ان سمع هذه الثورة العاتية من أعضاء المجلس الى قصر الأمير ينقلها اليه. وامسى مساء ذلك اليوم وقد توترت اعصاب الكويتيين جميعا. وقد ضاقوا ذرعا لعدم البت في قضية الملا مما جعل بعض الشباب يفكر بوضع حد لها من ذات نفسه..
غير ان الحاج محمد الثنيان جاء ليلا وهدأ اعصاب الجميع اذ بلغهم انه فهم من سمو الأمير ان الملا صالح رفع اليه الآن استقالته.
وما ان استيقظ الكويتيون صباحا حتى فهموا ان الملا صالح استقل سيارته الخاصة فجرا وفر بها الى الزبير خشية بطش الشباب وسورة غضبهم. وقد فهم بعد ذلك انه ذهب الى دار القنصل يبكي ويستعطف الكابتن ديكوري قنصل بريطانيا في الكويت اذ ذاك كيما يعمل على تثبيته في مركزه. غير ان القنصل افهمه انه لا يتمكن من التدخل في قضية داخلية خارجة عن حدود صلاحيته، فبيت عند ذلك أمره للهرب الى الزبير فجرا ونزل عند آل محمد الصباح. ثم بعد ان رأى استحالة العودة سريعا الى الكويت استكرى له منزلا صغيرا بالاعظمية احدى ضواحي بغداد واكمل مدة غربته فيه.
هذه هي حقيقة الفريق الأول من الناقمين على المجلسيين اعني الملا صالح واعوانه من رجال الحاشية والمتنفذين الذين تقطعت بهم الارزاق وشلت ايديهم عن التلاعب في دوائر الدولة ومواردها كالقضاء والجمارك وغير ذلك من المصالح والمنافع التي كانوا يتقاسمونها جهرا وعلانية دون خوف ولا خجل.
الفريق الثاني من الناقمين
وهناك فريق ثان يتزعمه التاجر خالد الزيد الخالد الذي خذل في الانتخابات النيابية فترأس نفر من الاحتكاريين اصحاب شركة النقل والتنزيل التي تحصلوا على امتيازها بالتواطؤ مع الملا صالح فتفردوا بخيراتها وخصوا انفسهم دون سائر الكويتيين ممن ساهموا معهم في الاكتتاب لأسهمها، غير ان هؤلاء بعد ان انهوا صفقتهم سرا مع الملا صالح بما برطلوه من اسهم مجانية ثبت تسجيلهم لها باسمه في صلب دفاتر الشركة القوا باوراق الكويتيين جميعا في اوجههم قائلين للناس هذه اوراقكم دبروا انفسكم بانفسكم، ولكن كيف يكون التدبير وقد ضمن هؤلاء الملا صالح طابخ الصفقات ومنظم الامتيازات الى جانبهم.
لقد حذر خالد الزيد وشركاؤه على مصالحهم فناصبوا المجلسيين العداء وقد صدق حذرهم اذ ان المجلس التشريعي بعد ان درس ملابسات هذا الامتياز وظروفه المريبة وتعذر عليه التفاهم بالحسنى مع اصحابه اضطر الى تأميم هذه الشركة وسماها بـ (مصلحة النقل والتنزيل) وخصص ارباحها لمنفعة المعارف والصحة وحدهما بعد ان عوض اصحابها الأولين اثمان جميع ممتلكاتها التي كانت جميعا من صافي الارباح بحزم. فشحذ هذا العمل الحازم اوار الحقد في نفس خالد الزيد بالدرجة الأولى ثم شركائه، فكرسوا انفسهم وجهودهم لمعاكسة المجلسيين ومحاولة اثارة الرأي العام ضدهم بالكلمات والدعايات المنمقة، من ذلك ترويج فكرة المطالبة بسن دستور الكويت وتحديد صلاحية المجلس رغم ان وثيقة صلاحية المجلس قد بت فيها ووقعها حاكم الكويت اول ما وقع.
وصحيح ان تلك الوثيقة التاريخية الخطيرة اقتصر فيها على ذكر صلاحية المجلس التشريعي وحدها بسبب الظروف العاجلة التي احاطت بأعضاء المجلس ابان قيامه، الا ان المروجين الآن لسن دستور كامل يحدد الصلاحيات ويصون حقوق الشعب في جميع النواحي كانوا ينادون بكلمة حق اريد بها باطل، لان هؤلاء كانوا في ماضيهم وحاضرهم انأى الناس عن الاخلاص للشعب او المطالبة بحقوقه، ولكنهم كانوا يرمون المجلس من وراء سن الدستور في هذا الوقت المتأزم احداث ازمة اما بين المجلسيين والأمير او بين المجلس والانكليز يذكون اوراقها ويستغلون حصادها وغايتهم هدم المجلس ومن فيه.
ذلك هو المأرب الأول والاخير من هذه المناورات الاثيمة. ولما كان جمهور الكويتيين خبيرا من التجارب الماضية باسرار هذه النفسيات النفعية والمخاتلة ومدركا انها انأى ما تكون عن السعي لصالح الشعب والاخلاص له فقد قابل جميع تلك الدعايات المنمقة بالسخط والنفور وصاح شبابهم قائلين: "ان في ضمائر نوابنا خير ضمان للدستور الكامل والعدالة المطلقة". وكوفئ صاحب هذه الترويجات من الشباب المتحمس بنبشهم للملأ صحيفته المنطوية على الجشع والمطامع المادية، بواسطة مناشير وزعها الشباب في جميع ارجاء الكويت وساحاتها. ولما يئس الرجل من التمويه على جمهور الكويتيين بهذه الاساليب المفضوحة جعل يحرض أفراد العائلة الحاكمة وسمو الأمير على المجلسيين بشتى الاقاويل والاكاذيب.
الفريق الثالث
ذلك هو النوع الآخر من فريق الناقمين واساليبه ووسائله. اما الفريق الثالث منهم فلا يقلون اثرا وأهمية عن سواهم، بضعة أفراد كان لهم في تاريخ الكويت اثرا محمودا من المؤازرة والمساهمة في المناداة للاعمال والمشاريع الوطنية، ولكنهم بعد ان سقطوا في الانتخابات لدخول المجلس وقفوا ذلك الموقف من اخوانهم المجلسيين رغم ان هؤلاء لا يد لهم في سقوطهم فقد دعوهم كغيرهم الى جلسة الانتخابات واشتركوا فيها بانفسهم راضين غير مكرهين وساهموا في اللجنة التي اشرفت على الانتخابات وفرز الاصوات مؤملين بالفوز فيها، غير ان الرأي العام الكويتي كان غير مرتاح الى كل من له علاقة موطدة مع الملا صالح فنقم عليهم لعلاقتهم المتينة معه والتي كان بعضهم مضطرا عليها مداراة لاعماله ومصالحه الكبيرة في وقت كان فيه الملا صاحب الأمر والنهي في البلاد فصدف الناس عنهم لهذا السبب وحده وسقطوا في الانتخابات، فحفزهم ذلك السقوط على الحقد والكيد لاخوانهم الذين نجحوا، فجعلوا يناهضونهم منذ اليوم الأول من التئام المجلس التشريعي كما اشرنا الى ذلك عند الكلام على الانتخابات النيابية واندفعوا في ذلك الى معاكسة كافة اعمال المجلس ومشاريعه الاصلاحية بل والتآمر مع المتآمرين على هدم المجلس رغم ما اكتسبه للامة من حقوق تعود منفعتها وخيراتها الى كافة الكويتيين.
اما اساليب هذا الفريق الناقم وفي طليعته ثنيان ثنيان الغانم ومحمد أحمد الغانم ويوسف عبدالوهاب العدساني فلا تقل شططا واندفاعا عن سواهم من الناقمين والهدامين وان كانت تتسم في ظاهرها بطابع المجاملة للرأي العام ويجرون فيها بشئ من الكياسة ومداراة السمعة، ولكنهم بالرغم من كل ذلك لم يصادفوا اي نجاح في صفوف الكويتيين فارتبطوا كما ارتبط الذين قبلهم برجال القصر لتحريض الاسرة الحاكمة على المجلس بحجة منافسته لهم في الحكم والنفوذ. وقد كان هذا هو الوتر الحساس الذي يصلح للنقر عليه، خاصة وان أفراد العائلة الحاكمة لم يألفوا قيام مجالس نيابية كانت تصور لهم بانها افتئات على الحكم تحد للسلطان
(لم يذكر التاريخ في الجزيرة العربية قبل قيام مجلس الأمة التشريعي أي اثر للحياة النيابية). وقد انضم الى المعارضين عضو المجلس يوسف مرزوق المرزوق في آخر الأمر بعد حادث انفصاله (كان يوسف المرزوق شخصية وطنية غريبة الاطوار متقلب الاحوال وكان ذا مزاج عصبي سريع الغضب والاندفاع حتى في الامور التي لم يتبين مدى صحتها فاستغل المستغلون هذه الظاهرة فيه فجاؤوا يستفزونه ضد مظاهرة قيل ان شباب "الكتلة الوطنية" ينتوون القيام بها غدا للهجوم على مكتب عبدالله نجل الملا صالح المعروف ولما كان عبدالله المذكور زوج ابنة اخت يوسف ثار يوسف وهاج وابرق وارعد دون ان يتأكد من صحة الزعم او يراجع بقية أعضاء المجلس لتلافي تلك المظاهرة المنتظرة، بل انه في فجر اليوم الموعود احضر سيارته الخاصة مشحونة بالسلاح لحراسة مكتب الملا ثم اخذ يتحرك في السوق طولا وعرضا يمطر الشباب غير الموجود بتهديده ووعيده ولم يخل كلامه من غمز بعض أعضاء المجلس لانهم كما يرى يتهاونون في ردع الشباب وزجره، فساء هذا الشذوذ والتصرف الفاحش أعضاء المجلس وقرروا في جلسة صاخبة حضرها يوسف المرزوق نفسه فصله من المجلس ومصادرة السلاح الذي جلبه لقمع تلك المظاهرة التي لم يدر حتى الشباب من أمرها شيئا) من المجلس فاندفاعه بغير حد الى معاكسة اعمال المجلس الذي تعاون هو وزملائه على تشييده بدافع السخط والانتقام، فكان لخروج يوسف المرزوق من المجلس وانضمامه الى صفوف الناقمين دفعة واحدة اثرا واضحا في تدعيم صفوف المعارضة وتجديد عزائمها (روي عن يوسف المرزوق انه بعد فصله قص على صاحب السمو الأمير وبقية أفراد العائلة ان المجلسيين وقد كان يوسف منهم ينوون الغاء رواتبهم جميعا وروي انه قال اكثر من ذلك . كما انه ذهب الى مدير شركة الزيوت المستر سكوت يقوده عبدالله نجل الملا صالح الذي كان حسب اتفاقية النفط يمثل سمو حاكم الكويت لدى الشركة وهناك اقسم يوسف لمستر اسكوت ان المجلس ينوي الغاء امتياز شركة النفط جريا وراء عادته في الغاء الامتيازات السابقة وبالطبع فقد كان لكلام يوسف المرزوق هذا اثرا سيئا عند العائلة الحاكمة من ناحية وعند الانكليز من ناحية اخرى، لا سيما وان يوسف كان عضوا سابقا في المجلس يعرف نوايا الأعضاء ويعلم اسرارهم رغم ان شيئا من هذا الذي قاله يوسف لم يكن صحيحا ابدا ولم يفكر به المجلسيون اطلاقا ولكنها سورة الحقد والغضب والتهور التي اشتهر بها يوسف في جميع ادوار حياته رحمه الله).تلك هي حقيقة أمر الجماعة التي اطلقت على نفسها بالمعارضة والتي دئبت فقط على معاكسة اعمال المجلس منذ اليوم الأول من تشكيله، ولكنهم جميعا لم يستطيعوا التأثير على الرأي العام الواعي لمفارقة اهدافه لاهدافهم فسخر منهم ونأي عنهم لانهم سخروا انفسهم آلات صماء استغلها المستغلون في الجانب الآخر حتى اذا قضى منهم الوطر وبلغ المأرب سخر منهم ونبذهم مع المنبوذين.
الانكليز والمجلس
كان القنصل البريطاني الكابتن ديكوري يتصور ان الكويتيين ليس فيهم من يملك زمام الرأي او يحسن التصرف في الامور ولذلك فان الأعضاء الذين سيجيئون الى المجلس النيابي لن يستغنوا عن مشورته والتصرف حسب هواه فهم ابدا مضطرون الى النزول عند ارادته والانصياع لحكمه، بيد ان تلك الصلاحية الأولى التي فاز بها المجلسيون من براثن الاسد ثاني يوم جلوسهم على كراسي المجلس التشريعي في صلاحية مجلس الأمة كشفت للقنصل عن حقيقة ما كان ليفهمها من قبل عن طريق استخباراته ورجال مكتبه فادرك عندئذ انه امام رجال اشداء يحسن به ان لا يستخف بأمرهم او يستهونهم. ثم لما بدت له تلك الروح الاستقلالية من جانب المجلسيين وحرصهم على السير بشئون الكويت سيرا مستقلا نزيها حازما لا تردد فيه ولا وجل بدأ يتحفظ معهم ويحذر جانبهم فأخذ يتحوط لنفسه ويبالغ في تأكيده لحقوق الحكومة الانكليزية المكتسبة في الكويت تارة بالاقوال واخرى بالرسائل الرسمية المتكررة التي يعنونها باسم صاحب السمو حاكم الكويت، ومن ذلك تلك الرسالة الأولى التي اكد فيها على حقوق الحكومة الانكليزية في معالجة الامور الخارجية والدفاعية لامارة الكويت واليك نصها:
الى حضرة حميد الشيم صاحب السمو السر أحمد الجابر الصباح المحترم
كي . سي . أس . آي حاكم الكويت
بعد التحية والاحترام
قد اوعزت الي حكومة صاحب الجلالة ان اخبر سموكم ان قد بلغهم بعين الرضى عن تأسيسكم المجلس. وقد علموا ان باتخاذكم هذه الخطة التي يؤملون ان تتقدم بها اهم مصالح الكويت سموكم كنتم متحمسين برغبة لاشراك ممثلي شعبكم بادارة احكام سموكم.
2- حكومة صاحب الجلالة واثقة على الاستمرار في المستقبل كما كان في الماضي للعلائق الحسنة التي كانت مستمرة لتلك المدة الطويلة بينهم وبين حاكم الكويت ولا شك بعدم حدوث اي تغيير بالترتيبات الحالية التي بمقتضاها حكومة صاحب الجلالة تدير شئون الكويت الخارجية.
5 اكتوبر 1938
المقيم السياسي في خليج فارس
وقد تصرف المجلس التشريعي تصرفا حسنا في الجواب على تلك الرسالة الرسمية دون ان يعرض نفسه لارتياب الانكليز وهو في بداية أمره كما تقضي بذلك الحكمة مع عدم تسليمه شفويا بالحقوق التي ورد ذكرها برسالة المقيم البريطاني في ممارسة الشئون الخارجية قبل ان يتيسر له الوقوف على أمر المعاهدات او الاتفاقات الرسمية المكتوبة التي عارض القنصل في السماح للأمير باطلاع المجلس عليها بحجة انها كانت سرية. وهذا هو نص الجواب الذي حرر من قبل أعضاء الديوان الأميري ووقعه سموه:
حضرة صاحب الفخامة المقيم السياسي في الخليج
بعد التحية والاحترام
سرني كتابك المرقم س/731 المؤرخ 5 اكتوبر 1938 المتضمن ايعاز حكومة صاحب الجلالة البريطانية لكم لتبليغها من ارتياحها من تأسيسنا مجلس الأمة التشريعي واقتناعها بان اتخاذ مثل هذه الخطة سوف تكون لها نتائجها المحسوسة في تقدم اهم مصالح الكويت .
(1) اني اشكر لحكومة صاحب الجلالة البريطانية تقديرها واستحسانها عن رغبتي الاكيدة التي نفذتها في تأسيس هذا المجلس بعد ان احسست من شعبي رغبة واستعدادا قويين لادارة شئون البلاد وتحمل جميع مسؤولياتها .
(2) كما اني اؤكد لحكومة صالحب الجلالة البريطانية ثقتها بان العلائق الحسنة المستمرة فيما بيننا كل تلك المدة الطويلة ستبقى في المستقبل -كما كانت في الماضي- مصونة في حدود كافة الاتفاقات والمعاهدات المبرمة مني او من حكام الكويت السالفين.
هذا وتقبلوا فائق الاحترام
11 اكتوبر 1938
17 شعبان 1357
حاكم الكويت
وقد كان القنصل قد ابلغ أعضاء المجلس بدء قيامه انه لا يستطيع التراسل معهم التراسل معهم مباشرة في الشئون الرسمية التي تجري بين حكومته وامارة الكويت، واقترح عليهم انتداب عضوين منهم ليكونا واسطة نقل الاتصال الرسمي الذي يتم بينه وبين سمو الأمير الى أعضاء المجلس. وقد وافق المجلسيون على ذلك وانتدبوا منهم العضوين سليمان العدساني ومشاري الحسن البدر لهذه المهمة وليقوما ايضا بمهمة رئاسة الديوان الأميري في الشئون الرسمية وحدها بقصر السيف المقر الرسمي لحاكم الكويت بالنظر لتفرغهما ومعرفتهما بهذه الامور.
وذات يوم التقى بي السكرتير الشرقي للقنصل البريطاني وحدثني قائلا: "ان القنصل عاتب بعض الشئ على أعضاء المجلس لانهم يبتون في بعض الامور التي قد تتصل بالشئون الخارجية دون الرجوع الى اخذ رأيه او تبليغه على الاقل، من ذلك انه بلغه انهم قرروا جلب مفوض شرطة عراقي لتدريب أفراد الشرطة في الكويت كما انهم كاتبوا وزير المعارف العراقي لقبول بعثة من تلاميذ المدارس الكويتية في مدارس العراق وعلى نفقة الحكومة العراقية، بينما امثال هذه الامور تدخل في الشئون الخارجية التي لا يمكن معالجتها بغير توسط الحكومة البريطانية، ولكن حيث ان هذه القضايا عادية وانها من اجل العلم فان القنصل غير مهتم جديا بها، ولهذا فقد أمرني ان اخاطبك انت بها شفاها لانه لا يرغب ان يجعل منها قضية رسمية".
فقلت للكاتب: "ان شاء القنصل فاني ارفع لأعضاء المجلس هذا الأمر وابلغكم بالجواب".
قال الكاتب: "لا حاجة لذلك فان القنصل لم يقصد سوى التنبيه وانه يقول انه كان يتمنى على أعضاء المجلس ولو من باب المجاملة ان يحيطوه مقدما بامثال هذه الامور كيلا يتأأأتى سوء فهم في غير محله".
فأجبته قائلا: "ان الذي اعلمه ان أعضاء المجلس لم يقرروا او يفكروا بجلب مفوض شرطة من العراق لتدريب أفراد الشرطة الكويتيين وقد يكون هذا الزعم دسيسة دست على سعادة القنصل لاثارة شكوكه وارتيابه لتعكير صفو التفاهم بين الجانبين. كما ان أعضاء المجلس لم يكونوا يتصورون ان الاتصال بوزارة المعارف في العراق أو مشيخة الازهر بمصر يسبب جزع القنصل او يمس بمهمته اذ قد سبق لرجال معارف الكويت في عهد قريب مضى ان خاطبوا وزارة الاوقاف العراقية لقبول بعثة من تلاميذ في كلية الامام الاعظم في بغداد وكنت انا احد أفراد تلك البعثة، وقد تبودلت عدة رسائل مع وزارة الاوقاف العراقية كون ان يسبب ذلك جزع القنصل البريطاني الموجود او اعتراضه، هذا بالاضافة الى ان أعضاء المجلس ليسوا مطلعين على الاتفاقيات والمكاتبات القائمة بين أمراء الكويت والحكومة الانكليزية حتى يتسنى لهم التمييز بما يسئ وما لا يسئ الى حقوق الانكليز لانهم حرموا من ذلك من قبل سمو الأمير بحجة معارضة سعادة القنصل نفسه وانهم يكونون ممتنين لو وضحت لهم حقيقة تلك الاتفاقيات كيلا يحدث منهم بحسن نية ما لا يرغبون في حدوثه..".
وذهب الكاتب مقتنعا من قولي ليقنع القنصل فيه بينما وافق أعضاء المجلس على جميع اجوبتي ولكنهم قرروا تكليف العضوين عبدالله حمد الصقر وسليمان خالد العدساني بزيارة القنصل اسبوعيا او كل اسبوعين مرة واحدة من باب المجاملة ولتوضيح حسن نوايا المجلسيين.
وحدث ذات مرة ان القنصل نبه ذينك العضوين في احدى الزيارات الخاصة انه لا يحسن بالمجلس ان يكاتب مباشرة شركة نفط الكويت (وهي شركة انكليزية أمريكية وصاحبة اكبر امتياز للنفط في الكويت) وطلب حصر التخاطب معها بسمو الأمير نفسه.. فاستغرب المجلس هذا الرأي تجاه شركة تجارية محضة حكمها كحكم الشركات الاجنبية الاخرى الموجودة في الكويت، بينما ليس من المتبع ان يمارس الحاكم شخصيا حتى الامور العادية التي تتكرر مرارا، اما في الامور الجوهرية فاقروا انه لا يمكن التصرف بها دون معرفة الأمير وقالوا ان الرأي الذي اشار اليه القنصل يعطي الشركة صفة حكومة اجنبية داخل اراضي الكويت لا يجوز التخاطب معها الا بواسطة الرأس الاعلى في البلاد وهو بحكم التقاليد لا يمكن مباشرة اي عمل الا بواسطة المسؤولين.
وبقيت هذه المسألة بغير حل الى ان وصل المقيم البريطاني الى الكويت واجتمع مع فريق من أعضاء المجلس واتفق واياهم ان يستمر عبدالله الملا صالح ممثل سمو حاكم الكويت لدى شركة نفط الكويت على التكاتب معها ويرسل للمجلس صورا من تلك الرسائل المتبادلة ومتى رأى المجلس وجهة نظر معينة أوعز الى المذكور ان يكتب بها الى الشركة كما يرون، وانتهى الأمر بسلام.
ان توحش مدير شركة نفط الكويت الانكليزي المستر سكوت من حزم وعزم أعضاء المجلس الذين جدوا في الغاء كثير من الامتيازات والاحتكارات الضارة التي منحت في العهد الغابر بالطرق المشبوهة المعروفة فخشى ان يأتي دور امتياز شركة النفط الذي أُخذ ايضا بطرق واساليب ارغامية معروفة. وقد تكاثر هذا الوهم لديه من دسائس عبدالله الملا صالح والكولونل داكسن قنصل بريطانيا الاسبق في الكويت والذي اصبح ممثل شركة الزيت تجاه حاكم الكويت، اما الأول فلأنه كان يخشى ان يحرمه المجلسيون من مركزه الخطير (ممثل سمو حاكم الكويت لدى شركة نفط الكويت) كما حرموا اباه من وظيفته من قبل، واما الثاني فلكونه يكره المجلسيين منذ قيامهم لانهم جردوا وظيفته من ميزتها الممتازة في عهدهم حيث اصبح المجلس هو المسير الحقيقي لكافة الشئون التي تتصل باعمال الشركة. وقد استطاع هذان الممثلان بالتكرار والمبالغات الكثيرة ان يسمما افكار المستر سكوت تجاه نوايا المجلسيين ومقاصدهم مما حدى به الى الذهاب مرارا الى القنصل وطرح تلك الشكوك وتجسيمها امامه مما اضطر القنصل الى مصارحة عضوي المجلس بمخاوف سكوت وشكوكه، فأكد له ذينك العضوين عدم وجود شئ من تلك النوايا حول الغاء امتياز شركة النفط وشرحا له ان هذه الوساوس تتسرب الى نفس المستر سكوت من الرجال الذين يتصلون به ولا تخفى اغراضهم ضد المجلس. وقد اطمأن القنصل في بداية الأمر الى تأكيدهم ولكن مع التكرار ثم ادعاءات يوسف المرزوق الذي ورد ذكر فصله من المجلس وقد جعل القنصل شيئا فشيئا يحاذر من المجلسيين لا سيما وقد رأى من اقدامهم وجرأتهم في امور الاصلاح ما يوحي بالحذر فخشي ان يأتي يوم ويفاجئه المجلسيون بما ليس في الحسبان فتفشل سياسته وتسوء سمعته تجاه حكومته التي اخذت بنصحه وعملت برأيه في تأييدها مطلب الوطنيين بمشاركة الكويتيين في ادارة شئون امارتهم . زد على ذلك انه لم يجد ما يتوقعه من أعضاء المجلس من الخضوع والرجوع اليه في المشاريع والاعمال الاصلاحية التي يسنونها بجرأة وصلابة فيئس منهم ثم عمد الى الحيلة لتحديد نفوذ المجلسيين وصد تيارهم فبدأ يتقرب من الأمير ويكثر من التردد عليه -بعد ان كان يقلل من ذلك- ليحرك من ساكنه ويثير من همته ليوجد لنفسه كفة توازن بين الجانبين اذا رجح نفوذ احدها ما الى الآخر فتكون له بذلك الكلمة النافذة والرأي المسموع
(وبلغني ان القصر ايضا او من فيه جعلوا يتقربون من القنصل وقدموا له بعض الهدايا عقد من اللؤلؤ وغير ذلك).اما أعضاء المجلس فقد كانت خطتهم ترمي الى التفاهم التام مع الأمير واكتساب وده ما امكنهم ذلك لانه لا خطر بعد التفاهم واياه على المصالح الجوهرية الكويتية، اما القنصل فكانوا يظنون انه لن يعترض سبيلهم في الاصلاح ما داموا بعيدين عن التفكير بالاحتكاك بالمصالح البريطانية لا سيما التعرض لامتياز شركة النفط. غير ان الواقع خطأ تقديرهم. فالقنصل بالاضافة الى الشكوك التي زرعها المغرضون والحاقدون في نفسه فانه يسيئه ان يغفله المجلسيون من حسابهم وعدم مراجعتهم له حتى في الشئون الاصلاحية المحلية، واذا فمن حقه ان يغضب لعدم مراجعة المجلسيين له بمكاتبتهم وزارة معارف العراق ثم مشيخة الازهر بشأن قبول التلامذة الكويتيين وهو من حقه ان يغضب لجلب المجلسيين مهندسا معماريا من العراق لاستشارته في وضع تصميم للمستشفى الأميري المنوى اشادته في شرقي مدينة الكويت وبعض البنايات الحكومية المستجدة دون الرجوع الى اخذ رأيه مقدما كما ان من حقه ان يغضب لاتخاذ المجلس بعض القرارات الشديدة لتوقيف تيارات الهجرة الايرانية الماحقة قبل ان يسألوه رأيه فيها، كل ذلك وغيره في